فالاستفهام للتعجيب مما حل بهم ، والتهويل من شدته وفظاعته وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المصير ﴾ قال ابن كثير : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتهُ " ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - " وَكَذَلِكَ أَخْذ رَبّك إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة إِنَّ أَخْذه أَلِيم شَدِيد " .
----------------
وقال تعالى : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ (10) سورة الأنعام
ويُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - عَمَّا يُلاقِيهِ مِنْ عِنَادِ الكُفَّارِ وَتَكْذِيبِهِمْ ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى البَاطِلِ ، فَيَقُولُ لَهُ : لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ جَاؤُوا قَبْلَكَ ، وَسَخِرَ مِنْهُمُ الكَافِرُونَ مِنْ قَوْمِهِمْ ، وَمِنَ العِقَابِ الذِي أَنْذَرُوهُمْ بِهِ ، فَعَاقَبَ اللهُ الذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ فَدَمَّرَهُم ، وَنَصَرَ رُسُلَهُ وَالمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَتِ العَاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّنْيا وَالآخِرَةِ . قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ الجَاحِدِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ : سِيرُوا فِي الأَرْضِ ، وَتَتَبَّعُوا أَخْبَارَ الأُمَمِ التِي عَاشَتْ فِيهَا ، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ نِهَايَةُ المُكَذِبِينَ ، وَعَاقِبَةُ بَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ، فَاعْتَبَرُوا بِذَلِكَ المَصِيرِ .
إن هذه اللفتة - بعد ذكر إعراضهم عنادا وتعنتا ; وبعد بيان ما في اقتراحاتهم من عنت وجهالة ; وما في عدم الاستجابة لهذه المقترحات من رحمة من الله وحلم - لترمي إلى غرضين ظاهرين:
الأول:تسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسرية عنه , مما يلقاه من عناد المعرضين , وعنت المكذبين ; وتطمين قلبه - صلى الله عليه وسلم - إلى سنة الله سبحانه في أخذ المكذبين لمستهزئين بالرسل ; وتأسيته كذلك بأن هذا الإعراض والتكذيب ليس بدعا في تاريخ الدعوة إلى الحق . فقد لقي مثله الرسل قبله ; وقد لقي المستهزئون جزاءهم الحق وحاق بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب , ومن غلبة الحق على الباطل في نهاية المطاف
والثاني:لمس قلوب المكذبين المستهزئين من العرب بمصارع أسلافهم من المكذبين المستهزئين:وتذكيرهم بهذه المصارع التي تنتظرهم إن هم لجوا في الاستهزاء والسخرية والتكذيب . وقد أخذ الله - من قبلهم - قرونا كانت أشد منهم قوة وتمكينا في الأرض ; وأكثر منهم ثراء ورخاء , كما قال لهم في مطلع هذه الموجة ; التي ترج القلوب رجا بهذه رجا بهذه اللفتات الواقعية المخيفة .
ومما يستدعي الانتباه ذلك التوجيه القرآني:
(قل:سيروا في الأرض , ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) . .
والسير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار ; ولمعرفة سنن الله مرتسمة في الأحداث , والوقائع ; مسجلة في الآثار الشاخصة , وفي التاريخ المروي في الأحاديث المتداولة حول هذه الآثار في أرضها وقومها . . السير على هذا النحو , لمثل هذا الهدف , وبمثل هذا الوعي . . أمور كلها كانت جديدة