تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها » فرجع معاوية بالجيش . والروايات عن حفظ العهود مهما تكن المصلحة القريبة في نقضها متواترة مشهورة .وقد ترك هذا القرآن في النفوس ذلك الطابع الإسلامي البارز . وهو يرغب ويرهب ، وينذر ويحذر ويجعل العهد عهد الله ، ويصور النفع الذي يجره نقضه ضئيلاً هزيلاً ، وما عند الله على الوفاء عظيماً جزيلاً : ﴿ ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً .إن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ . . ويذكر بأن ما عند البشر ولو ملكه فرد فإنه زائل ، وما عند الله باق دائم : ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله باق ﴾ ، ويقوي العزائم على الوفاء ، والصبر لتكاليف الوفاء ، ويعد الصابرين أجراً حسناً ﴿ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ والتجاوز عما وقع منهم من عمل سيئ ، ليكون الجزاء على أحسن العمل دون سواه .

----------------------

قال تعالى : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (100) سورة البقرة

وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا حِينَمَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهَ مُحُمَّداً - صلى الله عليه وسلم - : وَاللهِ ، مَا عَهدَ إلينَا في مُحَمَّدٍ ، وَمَا أَخَذَ عَلَينَا مِيثَاقاً . فَأنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ . ( وَقَالَ مُفَسِرُونَ : إنَّ العُهودَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ عُهُودُهُمْ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي المَدِينة ) .وَمَعْنَى الآيَةِ : إِنَّ اليَهُودَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَقَضَهُ ( نَبَذَهُ ) فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِحُرْمَةِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ .

وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل ، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد ، وأخيراً نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه إلى المدينة؛ وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة ، بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه؛ وأول من عاب دينه ، وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم ، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه . .

وبئس هي من خلة في اليهود! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض ، يعلنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله « المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم » . يسعى بذمتهم أدناهم ، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد ، ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم ، ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول : إن عبداً أمن أهل بلد بالعراق . وسأله رأيه . فكتب إليه عمر : إن الله عظم الوفاء ، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا . . فوفوا لهم وانصرفوا عنهم . . وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة . وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين .

----------------

وقال تعالى : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (155) سورة النساء

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٤٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٤٩٥