تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، وَبِأنْ يُظْهِرُوهُ ، وَيَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهِ ، ثُمَّ خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى رُؤَسَاءَ اليَهُودِ الذِينَ كَانُوا فِي زَمَنْ التَّنْزِيلِ فَقَالَ : كَيْفَ لاَ يَخَافُونَ اللهَ فِي الكِتْمَانِ وَالتَّبْدِيلِ ، بَعْدَ أنْ قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ سِيرَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَرْعَوُونَ عَنْ غَيِّهِمْ . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : وَإِذَا كَانَ الحَالُ كَذَلِكَ أيُّهَا الأَحْبَارُ ، وَلاَ شَكَّ فِي أنَّكُمْ لا تُنْكِرُونَهُ ، فَلا تَخْشَوا النَّاسَ فَتَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الكِتَابِ ، خَشْيَةَ النَّاسِ ، أَوْ طَمَعاً فِي مَنْفَعَةٍ عَاجِلَةٍ مِنْهُ ، وَأخْشَوْنِي أنَا وَاقْتَدُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ وَالأَحْبَارِ ، وَاحْفَظُوا التَّوْرَاةَ ، وَلا تَعْدِلُوا عَنْ ذَلِكَ ، فَإنَّ النَّفْعَ وَالضَّرَرَ بِيَدِ اللهِ ، وَلاَ تَتْرُكُوا بَيَانَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ لِلْنَّاسِ ، وَالعَمَلِ بِهَا ، لِقَاءَ مَنْفَعَةٍ دَنْيَوِيَّةٍ قَلِيلَةٍ تَأْخُذُونَها مِنَ النَّاسِ كَرَشْوَةٍ أوْ جَاهٍ .

وَكُلُّ مَنْ يَرْغَبُ عَنِ الحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ شَرْعٍ ، وَيُخْفِيهِ وَيَحْكُمُ بِغَيْرِهِ ( كَحُكْمِ اليَهُودِ فِي الزَّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ بِالتَّحْمِيمِ وَالجَلْدِ ، وَكِتْمَانِ الرَّجْمِ ، وَقَضَائِهِمْ فِي بَعْضِ قَتْلاَهِمْ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ ، وَفِي بَعْضِهِمْ بِنِصْفِ دِيَةٍ ، مَعْ أنَّ اللهَ قَدْ سَوَّى بَيْنَ الجَمِيعِ فِي الحُكْمِ ) ، فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ الذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ الذِي كَانَ عَلَيهِم كَشْفُهُ وَتَبْيِينُهُ لِلنَّاسِ .

جَاءَتِ التَّوْرَاةُ بِشِرْعَةِ القِصَاصِ : فَالنَّفْسُ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ ، وَلَكِنَّ اليَهُودَ يُخَالِفُونَ هَذا الحُكْمَ عَمْداً وَعِنَاداً : فَقَدْ كَانَتْ قَبِيلَتَا بَنِي النَّضِيرَ وَبَنِي قُرَيْظَةَ تَتَحَارَبَانِ وَتَتَقَاتَلاَنِ ، وَكَانَتْ قَبِيْلَةَ بَنِي النَّضِيرِ قَوِيَّةً عَزِيزَةَ الجَانِبِ ، وَكَانَ بَنُو قُرَيْظَةَ ضُعَفَاءَ أَذِلاَّءَ ، فَكَانَ النَّضِيرِيُّ إذَا قَتَلَ قُرَظِّياً ، لَمْ يَكُنْ لِيَقْتُلَ بِهِ ، بَلْ يُعْدِلُ فِيهِ إلى الدِّيَةِ . أمَّا إذَا قَتَلَ القُرَظِيُّ نَضيرِيّاً ، فَكَانَ يُقْتَلُ بِهِ ، وَفِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ

كَمَا خَالَفُوا حُكْمَ التَّوْرَاةِ فِي تَرْكِ رَجْمِ الزَّانِي المُحْصَنِ ، كَمَا أمَرَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ ، وَعَدَلُوا عَنْهُ إلى الجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ . وَقَضَتِ التَّوْرَاةُ بِأنْ تُفْقَأ العَيْنُ بِالعَيْنِ ، وَبِأنْ يُجْدَعَ الأَنْفُ بِالأَنْفِ ، وَأنْ تُصْلَمَ الأذْنُ بِالأذْنِ ، وَأنْ تُنزعَ السِّنُّ بِالسِّنِّ .

أمَّا الجِرَاحُ فَيَتِمُّ فِيهَا القِصَاصُ إذا كَانَتْ فِي مِفْصَلٍ ، فَقُتْطَعُ اليَدُ وَالرِّجْلُ وَالكَفُّ وَالقَدَمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أمًّا إذَا كَانَ الجُرْحُ فِي عَظْمٍ وَلَيْسَ فِي مِفْصَلٍ ، فَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّطْبِيقِ .

فَمَنْ عَفَا وَتَصَدَّقَ بِحَقّهِ فِي القِصَاصِ عَلَى الجَانِي ، كَانَ التَّصَدُّقُ كَفَّارَةً لَهُ يَمْحُو اللهُ بِهَا قَدْراً مِنْ ذُنُوبِهِ.

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِي كُتُبِهِ مِنْ شْرعٍ ، فَأولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، لأنَّهُمْ لَمْ يُنْصِفُوا المَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ ، فِي أَمْرٍ أَمَرَ اللهُ بِالعَدْلِ وَالمُسَاوَاةِ فِيهِ بَيْنَ جَميعِ خَلْقِهِ .

وَأَرْسَلْنَا مِنْ بَعْدِ هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَيسَى بْنَ مَرْيَمَ مُؤْمِناً بِالتَّوْرَاةِ ، وَحَاكِماً بِمَا فِيهَا مِنْ أَحْكَامٍ ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى لِلْحَقِّ ، وَبَيَانٌ لِلأَحْكَامِ ، وَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي إِزَالَةِ الشُّبُهَاتِ ، وَحَلِّ المُشْكِلاَتِ . وَجَاءَ الإِنْجِيلَ مُصَدِّقاً لِلْتَّورَاةِ ، وَمُتَّبعاً لَهَا ، غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا فِيهَا إلاّ فِي القَلِيلِ مِمَّا بَيَّنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْضَ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ . وَجَعَلْنَا الإِنْجِيلَ هُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُتَّقُونَ ، وَوَاعِظاً وَزَاجِراً لَهُمْ عَنِ ارْتِكَابِ مَا حَرَّمَ اللهُ ، وَعَنِ اقْتِرَافِ المَآثِمِ .

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٤٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٤٨٤