وثانيهما : تمنيهم ارتدادهم من الإيمان إلى الكفر .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ، ثم قال ﴿ وَوَدُّواْ ﴾ بلفظ الماضى؟
قلت : الماضى وإن كان يجرى فى باب الشرط مجرى المضارع فى علم الإعراب . فإن فيه نكتة ، كأنه قيل : وودوا قبل كل شىء كفركم وارتدادكم . يعنى : أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا ، من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض ، وردكم كفارا .
وهذا الرد إلى الكفر أسبق المضار عندهم وأولها ، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم ، لأنكم بذالون لها دونه . والعدو أهم شىء عنده ، أن يقصد أعز شىء عند صاحبه .
ثم بين - سبحانه - الآثار السيئة التى تترتب على ضلالهم عن سواء السبيل فقال : ﴿ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ .. . ﴾ .والأرحام : جمع رحم والمراد بهم الأقارب ، الذين كان بعض المؤمنين يوالون المشركين من أجلهم
أى : منكم - أيها المؤمنون - من أفشى أسراركم للكافرين ، خوفا على أقاربه أو أولاده الذين يعيشون فى مكة مع هؤلاء الكافرين ، والحق أنه لن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون المشركين من أجلهم شيئا من النفع يوم القيامة ، لأنه فى هذا اليوم ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ أى يفرق بينكم وبين أقاربكم وأولادكم يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ وكما قال - سبحانه - : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ وخص - سبحانه - الأولاد بالذكر مع أنهم من الأرحام ، لمزيد المحبة لهم - والحنو عليهم .
قال الشوكانى : وجملة ﴿ يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ متسأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد فى ذلك اليوم ، ومعنى ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ يفرق بينكم ، فيدخل أهل طاعته الجنة . ويدخل أهل معصيته النار ، وقيل : المراد بالفصل بينهم ، أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول . . . قيل : ويجوز أن يتعلق ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ بما قبله . أى : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ، فيوقف عليه ، ويبتدأ بقوله ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ والأولى أن يتعلق بما بعده - أى : يفصل بينكم يوم القيامة ، فيوقف على ﴿ أَوْلاَدُكُمْ ﴾ ويبتدأ بيوم القيامة .وقراءة الجمهور ﴿ يُفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ - بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد - على البناء للمجهول . وقرأ عاصم ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ بفتح الياء وكسر الصاد - على البناء للفاعل ، وقرأ حمزة والكسائى ﴿ يُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ ﴾ - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الكسر - بالبناء للفاعل - أيضا - .وقرأ ابن عامر ﴿ يُفَصَّلُ بَيْنَكُمْ ﴾ - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الفتح - على البناء للمجهول .