يقول: « واعلم أن هذه الطريقة التي ذكرناها مستفيدين لها من الحديث المذكور – حديث لا ضرر ولا ضرار – ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك، وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات، وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام.. فالمصلحة وباقي أدلة الشرع إما أن يتفقا أو يختلفا؛ فإن اتفقا فبها ونِعْمَتْ، وإن اختلفا وتعذَّر الجمع بينهما قُدِّمتِ المصلحة على غيرها.. وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها؛ لأن العبادات حق للشرع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رُسِمَ له.. وهذا بخلاف حقوق المكلفين؛ فإن أحكامها سياسية شرعية وضعتْ لمصالحهم، فكانت هي المعتبر، وعلى تحصيلها المعوَّل.. ولا يقال: إن الشرع أعلم بمصالحهم فلتؤخذ من أدلته؛ لأنا قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المنافع». (79)
ويسوق لرأيه هذا عددًا من الأدلة؛ منها : (80)
1- أن النصوص إجمالا وتفصيلا قد بيَّنت أن مقصود الله -عز وجل- من تشريع أحكامه تحقيق المصلحة ورفع الحرج؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾[البقرة: 185] ، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78] وقال عليه السلام: «الدين يسر»، وقال: «بعثت بالحنيفية السمحة».
2- حديث لا ضرر ولا ضرار وهو واضح الدلالة في نفس الضرر والمفسدة، وتقديم المصلحة على جميع أدلة الشرع، فإذا تضمن بعد أدلة الشرع ضررًا كان لا بد عملا بهذا الحديث من إزالة ذلك الضرر.
3- أن النصوص متعارضة مختلفة، فلهذا تكون سببًا للخلاف والتفرق، أما المصلحة فأمر حقيقي لا يختلف فيه، ولهذا فهي أولى بالتقديم على النصوص.
4- أن المصلحة دليل متفق عليه، أما الإجماع فدليل مختلف حوله، فالتمسك بالمتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
وهذا مجمل ما عند (الطوفي) من أدلة على رأيه، ولكن تحليل هذه الأدلة بكل رَوِيَّة وتَمَعُّن يظهر فيها ضعفًا وتناقضا لا يُخْطِئه مَنْ له أدنى إدراك بالأدلة وطرق مناقشتها.
1- فمما لا يختلف فيه اثنان أن النصوص دلت عمومًا وتفصيلا أن أحكام الشريعة غايتها المصلحة، ولكن هذا دليل إثبات أنه حيثما وُجِدَ النص فَثَمَّ المصلحة، والله أراد من النصوص اليُسْر ولم يرد بها العُسْر، وكل نصوص الدين ما جعل الله فيها مِنْ حَرَجٍ وهي سمحة سهلة، فكل أدلة (الطوفي) في أن المصلحة واليسر ورفع الحرج في مقصود الشارع، فهي دليل على ضرورة التزام النص وتقديمه؛ لأنه الذي يحقق المصلحة في كل الظروف.
2- وحديث لا ضرر ولا ضرار هو أحد الأدلة أيضًا على أن كل نصوص الشرع لا ضرر فيها، وأن المصلحة متحققة منها دائمًا، إذا كيف يقرر الرسول أنه لا ضرر وتكون بعض النصوص التي جاء بها سببًا في الضرر. إن من يفرض وقوع الضرر من تطبيق النص يقع في تناقض بَيِّنٍ.
3- والاختلاف في تقدير المصلحة أمر واقع، وهو اختلاف كبير واسع، فالمصلحة ليست أمرًا منضبطًا يتفق عليه الناس، وإلا لو كان الأمر كذلك
لاتَّفق الناس في شرائعهم ونظمهم وطرق حياتهم، وكل هذا ينقض ما قاله (الطوفي) مِنْ أن المصلحة أمر حقيقي متفق عليه.
4- والطوفي في عبارته عن تقديم المصلحة على الإجماع متناقض جدًّا؛ فهو يقول: إن المصلحة متفق عليها والإجماع مختلف حوله ، فتقدم المصلحة لأنها متفق عليها ( فأصبح معنى كلامه : الإجماع أضعف من رعاية المصلحة؛ لأن رعاية المصلحة مجمع عليها، والإجماع غير مجمع عليه). (81)
5- ومن الملاحظ أن الطوفي لم يأتِ بمثال واحد يرينا فيه كيف أن المصلحة عارضت النص، وكيف تقدَّم عليها؛ حتى نستيقن مما يقول، وما ذلك إلا لأنه لم يجد مطلقًا -بعد طول الاستقراء والبحث- حالة واحدة تعارض فيها المصلحةُ النصَّ؛ لأن ذلك التعارض أمر متوَّهم. (82)
ولضعف أدلة (الطوفي) وشناعة رأيه حمل عليه كثير من المعاصرين حملة قوية؛ فيقول الشيخ أبو زهرة عن رأيه: «إنه رأي شاذ بين علماء الجماعة الإسلامية» ويقول: «.. إن مهاجمته للنصوص ونشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح هي أسلوب شيعي، أريد به تهوين القدسية التي يعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع. والشيعة الإمامية يرون أن باب النسخ والتخصيص لم يغلق؛ لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس في الدنيا والآخر، أدري الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أوصيائه. وقد أتى الطوفي بالفكرة كلها وإن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشر الفكرة». (83)