لا يبدو من ذلك أن السبب في تغير اجتهاداته تغير ظروف مصر عن ظروف العراق؛ لأن الأمر لو كان كذلك لأجاز للناس رواية ونقل مذهبه العراقي، ولكن تشدده في نسخه وسعيه لإماتته كأنه لم يقله دليل على أنه اكتشف أخطاء في اجتهاده القديم، لهذا أحب ألا ينقل عنه رأي خطأ. وإعادته النظر في آرائه القديمة وتغير اجتهاده فيها أمر عادي بسبب زيادة علمه وخبرته لا بسبب تغير الظروف.
ويقول أحد أشهر تلامذته وهو الإمام أحمد بن حنبل عن كتبه القديمة والجديدة التي حوت (فقهه القديم والجديد): «عليك بالكتب التي وضعها بمصر؛ فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك». (95)
ولعل استقراء المسائل التي تغير اجتهاده فيها هي أفضل وسيلة لمعرفة ما إذا كان للظروف أثر في ذلك التغير، ولا أعلم مسألة واحدة يمكن أن يقال أن لتغير الظروف بين مصر والعراق أثر في تغير رأيه فيها.
رأي الإمام ابن القيم في تغير الأحكام :
عقد الإمام ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) فصلا عن (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والنيات والعوائد) وقد حمل سوء الفهم لهذا الفصل بعض الناس فجعل رأي ابن القيم ورأي الطوفي سواء (96)، ولكن الدارس لرأي ابن القيم من الأمثلة التي ساقها يتضح له أنه لا فرق بينه وبين رأي سائر الفقهاء في إثبات تغير الأحكام في دائرة المسائل التي سكتت عنها النصوص، أما في دائرة النصوص فالأحكام ثابتة، إلا إذا دَلَّ النص نفسه على تغيرها.
وقد أورد ابن القيم عددًا من الأمثلة لتغير الحكم، وكل أمثلته تدور على الحالات الآتية : (97)
1- الحالة التي يثبت تغير النص فيها نَصٌ آخر نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع الأيدي في الغزو، فتعطيل الحد هنا في هذا الظرف ثابت في نص آخر.
2- الحالة التي تتعارض فيها المصالح التي تثبتها النصوص، ومثالها: ترك إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه.
3- حالة يستعمل فيها القياس وإلحاق الأشباه والنظائر بأمثالها التي تثبتها النصوص، ومن أمثلة ذلك أن النص جعل صدقة الفطر في أصناف مخصوصة، فقياس عليها أمثالها من الأصناف التي تصلح أن تكون قُوتًا في البلاد التي لا يوجد فيها الأصناف التي حددها النص.
4- حالة استثنائية قاهرة خاصة بحالة العجز والضرورة، ومثالها: صحة طواف الحائض إذا خشيت أن تفوتها رفقتها في الحج، مع أن بعض النصوص يفهم منها عدم صحة ذلك في الأحوال العادية.
5- الحالات التي تتغير فيها عبارات العقود والأيمان والطلاق والنفور، تبعًا لتغير العُرْف والعادة في ذلك.
وليس من أمثلة ابن القيم مثال واحد لتقديم المصلحة على النص.
أحكام النصوص ثابتة:
ومن هذه المناقشات كلها لا نجد دليلا واحدًا يؤيد رأي (العصرانية) فيما تحاوله من فتح الباب لتغيير النصوص، بل إن الأحكام في دائرة النصوص أحكام ثابتة إلى يوم الدين لا تستطيع هيئة تشريعية أن تعدل فيها أو تغيرها.
لا كهنوتية في الإسلام.. ولكن!!
ينادي (سيد خان) (98) وأمثاله من (العصرانيين) بفتح أبواب الاجتهاد، وبإتاحة حرية واسعة في الاجتهاد حتى للأفراد العاديين، ولو أدى ذلك إلى فوضى فكرية.
وهكذا نشأت في أيامنا وجهة جديدة للتفكير تقول أن لا كهنوتية في الإسلام، فليس للعلماء مِنَ اختصاص بالقرآن والسنة والشريعة؛ حتى يكون لهم وحدهم الحق في التعبير عنها، بل المسلمون جميعًا يتمتعون بهذا الحق معهم، وما عند العلماء من حجة تجعل آراءهم أرجح مِنْ آرائنا، وأقوالهم أكثر وزنًا من أقوالنا في أمر الدين.
«.. ولعمر الحق أنه لو تركت صورة الجهل على حالها تشتد وتثور لا يبعد أن يقوم غدًا رجل مِنَّا فيقول أن لا قضاء في الإسلام، فيجوز لكل أحد من الناس أن يدلي برأيه في القانون، ولو لم يكن يعرف منه الألف والباء.. ويقوم بعده رجل آخر يقول ويعلن أن لا هندسة في الإسلام، فمن حق كل رجل أن يتكلم في الهندسة، ولو لم يكن على أدنى معرفة بمبادئها. ثم يقوم بعده رجل ثالث ويعلن أن ليس هناك مِنْ حاجة إلى حذق مهنة الطب، فيشرع في معالجة المرضى ومداواتهم من غير أن يكون على صلة بالطب ».