والحقيقة الرابعة أنه ليس أصلاً من أصول المجتمع الإسلامي أن يكون فيه فقراء يعيشون من أموال الزكاة . وقد وصل المجتمع الإسلامي إلى صورته المثالية في عهد عمر بن عبد العزيز حيث كانت الزكاة تجبى فلا يجد عمالها فقراء يوزعونها عليهم أو أحداً يقبلها منهم ، وفي ذلك يقول يحيى
ابن سعيد : " بعثتي عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها ، وطلبت فقراء نعطيها لهم ، فلم نجد فقيراً ولم نجد من يأخذها منا ، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس " .
وإنما الفقر أو الحاجة أمر يعرض لكل مجتمع ، فلا بد من تشريع لمواجهته ؛ وقد كان الإسلام يضم إليه باستمرار مجتمعات جديدة غير متوازنة الثروة ، فكان لا بد من هذا التشريع حتى يصل بهذه المجتمعات رويداً رويداً إلى حالتها المثالية التي وصلت إليها في عهد عمر بن عبد العزيز .
* * *
ذلك شأن الزكاة . أما " الصدقات " الحقيقية ، أي الأموال التي يخرجها الأغنياء تبرعاً وإحساناً ، فقد أقرها الإسلام فعلاً ودعا إليها وجعل لها صوراً شتى . فمن إنفاق على الوالدين والأقربين ، إلى إنفاق على المحتاجين عامة ، إلى تصدق بالعمل الطيب والكلمة الطيبة .
ولا يقول أحد إن الإنسان حين يكرم أهله يكون مسيئاً لمشاعرهم ، محقراً لهم ، وإنما هو الود والتعاطف وجمع الشمل وتأليف القلوب . وحين تعطي أخاك هدية أو تولم لأقاربك وليمة تحييهم فيها وتقوم على خدمتهم ، فلن تستثير بذلك حقدهم وكراهيتهم ، أو شعورهم بالذلة والإنكسار .
أما إعطاء المساكين هبة عينية ، فشأنه شأن الزكاة في صدر الإسلام ، كانت الحياة تتقبله في ذلك الحين كوسيلة كريمة لإغاثة المحتاج وإعانة المكروب . ولكنه ليس سبيلاً واحدة مكتوبة فلا تبديل لها ولا فرار منها ، وإنما السبل إليه شتى . ويمكن أن يأخذ شكل هبات للجمعيات أو المؤسسات التي تقوم بخدمة اجتماعية ، ويمكن أن يساعد الدولة المسلمة في كل ما تحتاج إليه من أموال لتنفيذ مشروعاتها .
ثم إن شأنه شأن الزكاة في ناحية أخرى . فما دام في المجتمع فقراء فلا بد من إعانتهم بكل السبل للاستمتاع بالحياة . ولكن ليس المفروض في المجتمع الإسلامي أن يكون فيه فقراء. فحين يصل إلى حالته المثالية فيستغني ـ كما حدث من قبل ـ عن الزكاة ، فهو يستغني كذلك عن الإحسان ، وتبقى لهذا وتلك مصارف محدودة لا يستغني عنها أي مجتمع في الأرض ، وهي كفالة العاجزين عن العمل لأي سبب من الأسباب.
* * *
وإنما الحقيقة الكبرى التي يجب أن نذكرها هي أن الإسلام لم يجعل حياة أهله قط قائمة على الإحسان . وقد ذكرنا مبدأ كفالة الدولة للعاجزين ، وارتفاعه عن أن يكون تفضلاً وإحساناً . ونذكر كذلك أن الدولة في الإسلام مكلفة بإيجاد عمل لكل قادر . ذهب رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله ما يعيش به فأعطاه فأساً وحبلاً وأمره أن يذهب فيحتطب ، فيبيع ما احتطبه ويعيش منه ، وأمره أن يعود إليه فيخبره بما صنع . وقد يحسب الذين لا يرون الأمور إلا بصورتها في القرن العشرين أن هذا مثال فردي لا دلالة له ، فضلاً عن أن كل مشتملاته أته هي فأس وحبل ورجل واحد ، بينما الحياة اليوم مصانع هائلة ، وملايين من العمال المتعطلين ، ودولة منظمة ذات فروع مختلفة الاختصاص ! وهذا تفكير ساذج . فلم يكن مطلوباً من الرسول أن يتحدث عن المصانع أو يشرع لها قبل نشأتها بأكثر من ألف عام ، ولو فعل ذلك لما فهم عنه أحد . إنما حسبه أن يضع الأسس العامة للتشريع ، ويترك لكل جيل أن يستنبط التطبيقات المناسبة له في حدود هذه الأسس . وفي المثال الذي ذكرناه أسس صريحة : هي تقرير الرسول صلى الله عليه وسلم أن ولي الأمر من واجبه إيجاد عمل لمن يحتاج إليه ، وقد أكََّد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المسئولية بقيامه بإيجاد العمل لذلك الرجل ـ حسب طبيعة البيئة يومئذ ـ وبطلبه منه العودة إليه وإخباره بحاله . وهذه المسئولية هي التي اهتدت إليها أحدث النظريات في السياسة والاجتماع . فأما حين تعجز الدولة عن إيجاد العمل لسبب خارج عن إرادتها ، فهناك بيت المال تكفل منه المحتاجين حتى تذهب الحاجة عنهم ، وهم كرماء على أنفسهم وعلى الدولة وعلى الناس .
( محمد قطب )
======================
الإسلام …والمرأة
في الشرق اليوم " هيجة " تسمى حقوق المرأة ! والمطالبة بالمساواة الكاملة مع الرجل .
وفي وسط هذه " الهيجة " التي تشبه الحمى ، يهذي بعض المحمومين والمحمومات باسم الإسلام . بعضهم - للتوريط - يقول إن الإسلام قد سوى بين الجنسين في كل شيء ، وبعضهم - جهلاً منه أو غفلة - يقول إن الإسلام عدو للمرأة ينتقص كرامتها ويهين كبرياءها ، ويحطم شعورها بذاتيتها ، ويدعها في مرتبة أقرب للحيوانية ، متاعاً حسياً للرجل وأداة للنسل ليس غير .. وهي في هذا في موضع التابع من الرجل يسيطر عليها في كل شيء ، ويفضلها في كل شيء .