2- ولقد تفردت الشريعة الإسلامية من بين جميع تلك الشرائع من قديمة وحديثة بالتمييز ما بين المبدأين أولا، وبالأخذ بهما ثانيًا.
فلقد اعتبرت الشريعة الإسلامية النسخ لبعض الأحكام الشرعية حقًّا خاصًّا بمن له سلطة الاشتراع وأخذت به. أما التغيير لحكم لَمْ ينسخ نصه مِنْ قِبَل الشارع فقد أجازته للمجتهدين من قضاة ومفتين، تبعًا لتغير المصالح في الأزمان أيضًا، وامتازت بذلك على غيرها من الشرائع، وأعطت فيه درسًا بليغًا عن مقدار ما تعطيه من حرية للعقول في الاجتهاد، ومن تقدير لتحكيم المصالح في الأحكام.. وهكذا أصبح العمل بهذا المبدأ الجليل قاعدة مقررة في التشريع الإسلامي، تعلن بأنه «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان». (71)
فعلي رأي الكاتب الفاضل أن الشريعة الإسلامية تمتاز بالمرونة والطواعية في هذه الناحية على غيرها من التشريعات، فتجيز للقاضي أو المفتي تغيير حكم من الأحكام، ولو كان هذا الحكم ثابتًا بنص القرآن أو السنة، تبعًا لتغير المصالح بتغير الأزمان، مع أن كثيرًا مِنَ القوانين قديمًا وحديثًا لا تتميز بهذه المرونة، فلا يمكن لقانون وضعه مجلس تشريعي، ينقضه أحد كائنًا مَنْ كان ولو أحد قضاة المحاكم العليا أو رئيس الوزراء. ويقول: إن ذلك أصبح في الإسلام قاعدة فقهية مقررة؛ وهي أنه « لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان».
ولتتضح لنا الحقيقة في هذه المسألة لا بد من النظر أولا في هذه القاعدة الفقهية التي أشار إليها الكاتب، ثم ننظر في الأدلة التي تورد عادة لتعضيد وجهة النظر القائلة بهذه المرونة الواسعة للشريعة الإسلامية، التي لا تداينها حتى أكثر القوانين العصرية تقدمًا.
من المعروف أن أحكام الشريعة تنقسم إلى قسمين: رئيسين: أحكام مصدرها نصوص القرآن والسنة مباشرة، وأحكام مصدرها الاجتهاد دون أن تستند مباشرة على النصوص؛ مثل أن تكون مبنية على مصلحة سكتت عنها النصوص، أو عُرْف أو عادة لم ينشئها نص شرعي.
لا يختلف اثنان على أن الأحكام في كلا القسمين إنما ترمي إلى تحقيق مصالح الناس ومراعاة منافعهم، ومما لا ريب فيه أن بعض هذه المصالح والمنافع يتبدل ويتغير بتغير الزمان أو المكان، أو لأي عامل من العوامل التي تؤثر في تغير المصالح.
ففي القسم الثاني من الأحكام الذي لم يكن مصدره النص مباشرة، ولم يجد الفقهاء صعوبة تُذْكَر في تقرير أن المصلحة التي لم يأتِ بها نص أصلا يمكن أن تغير وتصبح في حين مِنَ الأحيان مفسدة، أو أن العُرْف و العادة الذي لم يتكون إثر نص شرعي أصلا يمكن أن يتبدل ويتغير، وحينئذ قرروا - بلا تحفظ- أن الأحكام في هذا القسم تتغير بتغير الزمان؛ لأن الأصل الذي تبني عليه أصل متغير، وتغيره سواء كان مصلحة أو عُرْفًا متصور عقلا وواقع ملموس.
أما القسم الثاني من الأحكام وهي الأحكام التي تقررها النصوص مباشرة، فكل أحد يقر أن النص مقصود منه تحقيق المصلحة للناس ومقصود منه منفعتهم، فغاية النص وهدف النص وحكمة النص هي المصلحة. حينئذ لم يستطع ذهن الفقهاء أن يتصور أن هذه المصلحة التي يثبتها النص يمكن أن تتغير وتصبح في زمن من الأزمان مفسدة؛ ذلك أن مِنَ المتفق عليه أن المصلحة ليست تابعة للهوى أو المزاج الشخصي، وأن المصالح التي تقررها النصوص هي المصالح حقيقة. وأن من التناقض الواضح أن يقال: إن مصلحة ما عارضت النص؛ فالنص هو عدل كله، ورحمة كله، وحكمة كله، ومصلحة كله، فأي مصلحة تلك التي تعارض النص، إلا إذا كانت نابعة من هوى أو مصدرها مزاج سقيم. حينئذ قرر الفقهاء أن الحكم الذي مصدره النص حكم ثابت إلى يوم الدين لا يتغير بتغير الزمان.
يقول الإمام ابن حزم مؤكدًا هذه الحقيقة :
« إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما على حكم ما فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان، ولا لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدًا في كل زمان وفي كل مكان على كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال أخرى». (72)
وعلى هذا فإن القاعدة الفقهية: «لا ينكر تغير الأحكام بتدل الزمان» قد وضعها الفقهاء للقسم الثاني من الأحكام؛ وهي الأحكام التي لا تستند مباشرة على نص شرعي، بل مصدرها عُرْف أو مصلحة سكتت عنها النصوص. وهذه القاعدة هي إحدى قواعد المجلة، وقررتها المادة (39)، وقد جاء شرح هذه القاعدة بقصرها على الأحكام التي لم تستنبط من النصوص (73)، وعلى هذا استقر فهم الفقهاء...
يقول الدكتور (مصطفى الزرقا) في بحثه لهذا الموضوع :