و بداية فلئن كان القرآن يجعل للمرأة من الميراث نصف ما للرجل فإن التوراة تحرم المرأة من الميراث كلية حال وجود أشقاء لها " فكلم الرب موسى قائلاً…أيما رجل مات و ليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته " (العدد 27/6-8) ، و يفهم من السياق أن وجود الابن يمنع توريث الابنة.
أما في شريعة الإسلام فإن الذكر و الأنثى قد يتساويان في الميراث كما في مسألة الكلالة ﴿ و إن كان رجل يورث كلالة أو امرأة و له أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ و قضى عمر بالتساوي بين الأخوة لأم ، قال الزهري: "و لا أرى عمر قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
و مرة أخرى ساوت الشريعة بين الوالدين في إرثهما من ولدهما ﴿ و لأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾
و قضى الشارع الحكيم بتوريث الذكر ضعف الأنثى كما في التوارث بين الزوجين و توراث أولاد المتوفى ، لكن ذلك يتناسب مع المسئولية المالية الملقاة على عاتق الزوج أو الأخ ، إذ كل منهما ملزم بالإنفاق على زوجته أو أخته، و هذا غرم يستحق غنماً .
كما أن شرائع الإسلام تلزم الرجل نفقات لاتلزم المرأة كالمهر والدية التي يتحملها العصبة من الرجال دون النساء .
وهكذا حين جعل الله للذكر مثل حظ انثيين من الميراث لم يقض بهوان النساء ، إنما قسم المال تقسيماً مادياً بحتاً يتناسب والمسئوليات المنوطة بكل منهما .
شهادة المرأة :
و أما جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد فذلك ليس مطرداً في سائر الشهادات ، فشهاداتها الأربع في اللعان تعدل شهادات زوجها.
و قد يجعل الشارع شهادة المرأة معتبرة في بعض المسائل و لا يقبل فيها شهادة الرجال كالأمور النسائية التي لا يطلع عليها الرجال عادة كحيضة المطلقة و طهرها في قوله ﴿ و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء و لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله و اليوم الآخر ﴾ .
فيما جعل القرآن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في المسائل التي لا تضبطها النساء عادة كما في بعض المعاملات المالية و التجارية كحفظ الدين الذي نصت عليه آية الدين.
و عليه فإن جعل شهادتها بنصف شهادة الرجل ليس إجحافاً بحقها أو استهانة بمقامها و إنسانيتها ، و إنما هو مراعاة لقدراتها و مواهبها. و إلا فإن أهليتها كأهلية الرجل تماماً في كثير من المعاملات كالبيع و الشفعة و الإجارة و الوكالة و الشركة و الوقف و العتق…..
تعدد الزوجات :
و قد تعلق النصارى طويلاً في شبهة تعدد الزوجات في الإسلام ، و تساءلت منظمة الآباء البيض التبشيرية لم لا يسمح الإسلام للمرأة بتعدد الأزواج .
و في بيان و دفع هذه الشبهة نقل علماؤنا نصوصاً مطولة من التوراة تتحدث عن تعداد الأنبياء و غيرهم للزوجات ، كما أنه أمر معتاد عند سائر المجتمعات البشرية ، و لا يوجد في العهد الجديد ما يمنع تعدد الزوجات ، فتحريم التعدد نقض للناموس ، و المسيح يقول : " ما جئت لأنقض بل لأكمل ، فإن الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء و الأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل " (متى 5/17-18).
و ثمة إشارات من المسيح يستنبط من دراستها جواز التعدد ، ففي المثال الذي ضربه المسيح للملكوت شبه الملكوت بعشر عذارى أخذن مصابيحهن و خرجن للقاء العريس ، و قد أخذت خمس منهن معها زيتاً للمصباح ، فلما مر العريس "المستعدات (الخمس) دخلن معه إلى العريس ، و أغلقن الباب"(متى 25/10).
و في كلام بولس ما يفهم منه جواز التعدد لغير الكاهن حيث يقول:" فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم بعل امرأة واحدة …ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة" (تيموثاوس (1) 3/2،12).
و يرى أحمد بن عبد الوهاب أن ليس من حجة صحيحة في قول المسيح عن الزوجين : "يترك أباه و أمه ، و يلتصق بامرأته ، و يكون الاثنان جسداً واحداً ، إذاً ليسا بعد اثنين، بل جسد واحد " (متى 19/5-6) فليس في النص ما يمنع تعدد الزوجات ، فهذه الوحدة المجازية يجوز أن يشترك بها أكثر من اثنين كما جاء في يوحنا في قول المسيح عن تلاميذه " ليكونوا هم أيضاً فينا " (يوحنا 17/21) .
و قد بقيت قضية تعدد الزوجات صيحة تنادي بها فرق مسيحية شتى مثل "الأناببشيت" في ألمانيا في أواسط القرن السادس عشر للميلاد ، وكان القس فونستير(1531) يقول :من يريد أن يكون مسيحياً حقيقياً فعليه أن يتزوج عدة زوجات. و بمثله نادت فرقة " اللاممعدانيين " في نفس القرن ، و نادى به الألمان بقوة بعد الحرب العالمية الثانية ، و يجدر بالذكر هنا أن إرساليات التبشير في أفريقيا لا تمانع من بقاء الأفريقي المتنصر متزوجاً بأكثر من زوجة .
و قد أباح الإسلام تعدد الزوجات الذي أباحته النبوات السابقة ، و شرط الشارع على الزوج العدل بين زوجاته فيما يقدر عليه ، و عفى عما لا يتعلق بقدرته كالمحبة ، كما حدد التعدد بأربع حسماً للفوضى والعبث .