في بحثه حول أثر طرق تربية الطفل في العائلة البرجوازية، يرى شرابي أن الأب يضطهد الصبي فيما تسحق الأم شخصيته عن طريق الافراط في حمايته، أما البنت فتدفعها العائلة منذ طفولتها المبكرة إلى الشعور بأنها عبء وغير مرغوب فيها، ان هذا الافراط في الحماية وهذه السلطوية في العقاب يؤديان إلى شعور الأبناء بالعجز، والاتكالية، والتهرب من المسؤولية، ويرى شرابي انه (خلافاً لما يعتقده الكثيرون، فإن نظام العائلة عندنا ـ على ما فيه من حسنات كاحترام الكبار وحماية أفراد العائلة بعضهم بعضاً في الملمات يقوم على التنابذ والخلاف أكثر مما يقوم على التعاون والوثام، إن الغيرة والحسد يسودان علاقات أفراد العائلة أكثر مما تسودها المحبة والتسامح، وهكذا الحال تماماً في علاقات أعضاء المجتمع بعضهم ببعض، أن أولادنا يتعلمون منذ الصغر كيف يجري اغتياب الأصدقاء والأقرباء وكيف يجهر الانسان بما لايضمره ومن أين تؤكل الكتف، وفي تنافسهم على محبة الأم وعطفها يتعلمون بشكل تلقائي كراهية الأشقاء واعتبارهم منافسين ومنافسات يجب التحسب لهم، كذلك فإن الوالدين ينميان روحاً لغيرة في نفوس أطفالهما وذلك بتصرفاتهما اللاواعية نحوهم، فإذا ميزت الأم، ولو بكلمة واحدة، بين ولد وآخر فإنها قد تسبب عند الواحد أو الآخر نقمة أو شعوراً بالنقص يصبح جزءاً من تركيب شخصيته فيؤثر في سلوكه تجاه نفسه وتجاه الآخرين).
ويظهر واضحاً ان الأبناء في العائلات التقليدية نادراً ما يشاركون أهلهم أسرارهم أو يستشيرونهم في حل مشاكلهم، وكثيراً ما يلجأون إلى أترابهم بدل أن يلجأوا إلى أهلهم، وبقدر ما تتصف العلاقات بالسلطوية، يمارس الأبناء والبنات الرقابة على تصرفاتهم ومشاعرهم في حضور الأهل، كذلك يمارس الأهل بدورهم نوعاً من الرقابة فيمتنعون عن بعض التصرفات أو عن بحث الأمور بحضور أبنائهم وبناتهم، ونلحظ أن المشاركة والاستشارة والتعبير العفوي تزداد بازدياد العلاقات الديمقراطية ضمن العائلة.
كذلك يظهر الأهل، تقليدياً، تحذيراً لبعض الأبناء والبنات حسب العمر والجنس، وأحياناً حسب الجمال والذكاء وطاعة الأهل ومسايرتهم، وقد عرف المجتمع العربي عادة تفضيل الأهل للابن الأكبر ومنحه حقوقاً وامتيازات لا تمنح لغيره، ورغم اضمحلال عادة حصر الإرث والسلطة بالابن الأكبر، فإن الكثير من آثار هذه المفاضلة لاتزال تعكس نفسها بشكل أو بآخر في الحياة اليومية، وتحدث المفاضلة أكثر ما تحدث على أساس الجنس وخاصة بالنسبة للإرث وتوفير فرص التعليم، وليس من النادر أن نصدف في الوقت الحاضر عائلة أصبح ابناؤها أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة فيما ظلت البنات دون علم أو مهنة، بل كثيراً ما تتخذ الأخوات دور الأم، فيخدمن إخوتهن منذ الصغر، وقد تستمر هذه العلاقة حتى بعد الزواج.
وقد ينشأ لدى بعض الأبناء إحساس بأن الامتيازات التي يتمتعون بها على حساب الأخوات والاخوة الصغار إنما هي حقوق طبيعية نادراً ما يتساءلون حولها، كذلك قد ينشأ عند بعض الأخوات احساس بأن هذه الامتيازات حقوق طبيعية للاخوة وانهن عندما يخدمن اخوتهن إنما يفعلن واجباتهن ليس إلا، فيظهرن استعداداً هائلاً للتضحية. وكثيرً ما تتخلى بعض الأخوات عن حقوقهن بارث العائلة، وقد يرتبط ذلك بحس المرأة بعد زواجها أن بيت أهلها هو بيتها الحقيقي وان الزواج نفي اختياري اضطراري معاً، ربما لذلك تبكي عندما تخرج عروساً من بيت أهلها. ولذا قد لايشكل الطلاق صدمة عاطفية، إذ بامكانها أن تعود إلى أهلها إذا شاءت أو اضطرت إلى ذلك.
وليس التنظيم العائلي الهرمي هو وحده المسؤول عن هذه النتائج السلبية، فللمؤسسات الاجتماعية الأخرى أنظمتها الهرمية الخاصة التي تعزز واقع التنشئة هذا في العائلة، ثم ان بعض هذه الأوصاف لاتنطبق على جميع العائلات العربية، إن تعميمات شرابي نفسها تقتصر على ذلك النموذج العائلي الذي يجسد (القيم والمواقف السائدة في وسط اسلامي مدني، وفي طبقة اجتماعية وسطى أو أقرب إلى الوسطي، هذا مع العلم أن بعض التعميمات يمكن أن تنطبق على المجتمع العربي ككل بما فيه البدو والفلاحون، إن نزعة الاتكالية، مثلاً، قد لاتنطبق على أطفال العائلات الفقيرة الذين يضطرون للعمل الشاق والكفاح منذ صغرهم.
ان محور العلاقات في العائلة العربية ليس الفرد بل الجماعة، ويرتبط ذلك ارتباطاً وثيقاً بكونها عائلة ممتدة بالاضافة إلى أنها وحدة إنتاجية اجتماعية معاً.
المصدر: أمان - المركز العربي للمصادر والمعلومات
=====================
حقوق الإنسان بين الشريعة والقانون.. نصاً ومقارنة وتطبيقاً
كتبه : المحامي محمد عنجريني ...
** المبادئ الأساسية لتكريم المرأة في الإسلام
(تتلخّص المبادئ الإصلاحية التي أعلنها الإسلام على لسان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالمرأة في المبادئ التالية: