قال تعالى في سورة الحجر: " وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ(16)وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ(17)إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ(18) ". فالبروج بقيت في مكانها، والذي تحرك هو الشهاب.
وتأمل ما ورد في سورة الصافات: " إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ(6)وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ(7)لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ(8)دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ(9)إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ(10) ". فالذي (أتْبَعَ) الشيطانَ الماردَ ليس الكوكب [المذكور في الآية رقم (6) ]، بل الشهاب [المذكور في الآية رقم (10) ].
ثانياً: عالم الشياطين غيب، لا يجوز قياس الغيب بأدوات البحث العلمي المستخدمة للمحسوسات.
ثالثاً: للنجوم في القرآن الكريم فوائد أخرى كالزينة، وعلامات يستدل بها الناس على الاتجاهات (انظر: الأنعام: 97، الحجر: 16، النحل: 16، الصافات: 6).
رابعاً: لا يشترط أن تكون النجوم المذكورة في القرآن الكريم هي عينها ما اتفق عليه اصطلاح الناس حديثاً بأنها ذلك الجرم الكوني الضخم الغازي المضيء بذاته كالشمس.[6] بعكس سائر الأجرام المعتمة كالكواكب والأقمار..
فيجوز أن يكون المقصود بالنجم ـ لغة لا اصطلاحاً ـ: كل جسم صلب يسبح في الفضاء. جاء في العين: " النَّجمُ: اسم يقعُ على الثُّريا، وكلِّ منزلٍ من منازلِ القمر سمِّي نجماً. وكل كوكب من أعلام الكواكب يُسمى نجماً، والنُّجومُ تَجمَعُ الكواكب كلَّها ".[7]
وتلك الشبهة ليس حديثة، بل أثارها الزنادقة في العصر العباسي، ورد عليهم الجاحظ بقوله:([8])
" قالوا: زعمتم أنَّ اللّه تعالى قال: " وَلَقد زَيَّنا السَّمَاءَ الدُّنْيا بِمَصَابِيْحَ وَجَعَلْناهَا رُجُومَاً لِلْشّيَاطِيْن" [الملك: 5]، وقال تعالى: " وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيْمٍ" [الحجر: 17]، ونحنُ لم نجدْ قطُّ كوكباً خلا مكانهُ، فما ينبغي أنْ يكون واحدٌ من جميع هذا الخلق، من سكّان الصحارى، والبحار، ومن يَراعِي النُّجوم للاهتداء، أو يفَكِّر في خلق السماوات أن يكون يرى كوكباً واحداً زائلاً، مع قوله: "وَجَعَلْناهَا رُجُوماً للشَّياطينِ" ؟
قيل لهم: قد يحرِّك الإنسانُ يدَه أو حاجبَه أو إصبَعه، فتضاف تلك الحركةُ إلى كلِّه، فلا يشكُّون أنّ الكلَّ هو العاملُ لتلك الحركة، ومتى فصَل شهابٌ من كوكب، فأحرق وأضاء في جميع البلاد، فقد حكَم كلُّ إنسانٍ بإضافة ذلك الإحراق إلى الكوكب، وهذا جواب قريبٌ سهل، والحمد للّه.
ولم يقلْ أحد: إنّه يجبُ في قوله: "وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً للِشَّيَاطِيْنِ " أنّه يَعْني الجميع، فإذا كان قد صحّ أنّه إنَّما عَنى نُجُوم المجرّة، والنجومَ التي تظهر في ليالي الحنادس[9]؛ لأنّه محال أن تقعَ عينٌ على ذلك الكوكبِ بعينه في وقت زوَاله حتّى يكون اللّه عزّ وجلَّ لو أفنى ذلك الكوكَب من بين جميع الكواكب الملتفَّة، لعرف هذا المتأمِّلُ مكانه، ولوَجَدَ مَسَّ فقدِه، ومن ظَنَّ بجهله أنَّه يستطيع الإحاطة بعدد النُّجوم فإنه متى تأَمَّلها في الحَنادس، وتأمَّل المجرَّة وما حولها، لم يضرِب المثل في كثرة العدد إلاّ بها، دونَ الرّمل والتّراب وقطْر السَّحاب.
وقال بعضُهم: يدنو الشِّهاب قريباً، ونراه يجيء عَرْضاً لا مُنْقضاً ولو كان الكوكب هو الذي ينقضُّ لم يُر كالخيط الدّقيق، ولأضاء جميع الدُّنيا، ولأحرق كلَّ شيء مما على وجْه الأرض.. فليس لكم أن تقضوا بأنّ المباشر لبدَن الشيطان هو الكوْكب حتى لا يكون غير ذلك، وأنتم تسمعونَ اللّه تعالى يقول: " فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ " [الصافات: 10] ".
يقصد بذلك: أن الذي يصيب بدن الشيطان، هو أثر حرارة النار الناتجة عن احتكاك الجرم السماوي بالغلاف الجوي للأرض، ونراه على صورة ضياء، لا عَين الجرم الموجود في مركزه ( الأثَرُ للعَرَضُ لا الجَوْهَر).
وأضاف فائدة أخرى في الموضع ذاته: " وطعن بعضهم من جهة أخرى فقال: زعمتم أنّ اللّه تبارك وتعالى قال: " وَحِفْظًاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مَاردٍ، لا يَسَّمَّعُونَ إِلى الملأ الأعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، دُحُوْرَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ " وقال على سَنَنِ الكلام: " إلاّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فأتْبَعَهُ شهَابٌ ثاقبٌ " [الصافات: 10] قال: فكيف تكون الخطفة من المكان الممنوع ؟
قيل له: ليس بممنوعٍ من الخطفة، إذ كان لا محالة مرمِيّاً بالشِّهاب، ومقْتُولاً، على أنّه لو كان سلِمَ بالخطْفة لما كان استفاد شيئاً ".
4. السماوات السبع: هذا من الغيب، ومن الممكن أن يكشف العلم حقيقته فيما بعد.. ولا يشترط أن تكون السماء كالسطح الأملس، فكل ما علا وارتفع يسمى سماء، ولذلك يقال لسقف البيت، والسحاب.. سماء.[10]