ولما كانت شبهة تعلم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلمعلى يد بحيرا وورقة بن نوفل تشكل أعظم شبهاتهم، فالرد عليها ملخصه ما يلي: [12]
إن تلك الشبهة فيها اتهام للنصرانيين الناسكين المتعبدين بالكذب والخداع، ومن غير المعقول أن يكون أواخر عهد ناسكين متعبدين، تسهيل مهمة شخص مخادع يدعي أنه موحى له من عند الله Y.
. قصر الوقت الذي شاهدهما فيه، فما في القرآن من عقائد وشرائع وقصص تحتاج إلى فترة زمنية طويلة. بل المنطق يقول إن أي إنسان عادي، لن يستطيع تأليف قوانين وشرائع مماثلة لتلك الموجودة في القرآن الكريم، إلا بعد مكث سنوات طويلة من التعلم.
. أين قريشاً منهما، ولماذا لم يحضروهما ليكونا دليلاً بين أيديهم على بشرية مصدر القرآن الكريم؟
. لم يصدر عن أي من ملوك النصارى العرب، أو الروم، أو القبط، أو الأحباش.. الذين وصلتهم رسالة الإسلام، أن ما في القرآن الكريم مسروق من عندهم.
5. لماذا لم يستخدما رجلاً أغنى وأكثر جاهاً منه صلى الله عليه وسلم، ليسهل عليهم المهمة ؟
. كان عمره صلى الله عليه وسلمعندما قابل بحيرا أول مرة تسعة أعوام، ولما تاجر لخديجة كان عمره خمسة وعشرين عاماً. وفي الأولى كان معه عمه، وفي الثانية ميسرة غلام خديجة. [13]
هل كان لدى ورقة بن نوفل أي حصيلة علمية أو معرفية، تؤهله ليكون مصدر القرآن الكريم؟ [14]
. كيف يستطيع ورقة ـ وهو كبير السن ـ أن يصعد إلى الجبل الذي فيه غار حراء، رغم أن صعوده شاق على أشد الشباب قوة؟
لم يتهم أي مشرك محمداً صلى الله عليه وسلمبأنه كان يقابل ورقة، رغم أن ذلك الزعم أقوى من اتهام حداد رومي.
. لماذا تأخر ورقة في إعلان نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلمإلى أن بلغ من العمر عتياً، وهل كان يضمن أنه سيعيش ذلك العمر ؟
أين باقي تلاميذ بحيرا وورقة ؟ هل من المعقول أن لا يكون لهما إلا تلميذ واحد يتيم فقير؟ ولماذا لم تبعث قريش بفتيانها إليهما ليتعلموا ؟
12. هل رافق بحيرا وورقة محمداً صلى الله عليه وسلمفي كل حركاته وسكناته ؟ إن في أسباب النزول رداً مباشراً على زعمهم.
قول ورقة بأن الوحي الذي نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلمهو الذي نزل على موسى لا عيسى عليهما السلام، فلو كان نصرانياً لذكر سيدنا عيسى . وهذا اعتراف من ورقة على إلهية مصدر القرآن الكريم.
. لو كان لورقة ذلك التأثير على سيدنا محمد ، لكان أول من يذهب إليه صلى الله عليه وسلمبُعَيد نزول الوحي عليه وهو في غار حراء، قبل أن يعود إلى بيته.
15. لم يذكر التاريخ أن هنالك زيارات معتادة بين بيتي سيدنا محمد وورقة، ولم يكن بينهما صداقة معروفة قبل البعثة كصداقته بأبي بكر مثلاً.
كما لم يزر بحيرا مكة ولا المدينة قبل أو أثناء البعثة النبوية، فكيف له أن يعرف ظروف بيئة الرسول صلى الله عليه وسلموأحداثاً قبل الهجرة في مكة كموقف المشركين من الدعوة، وغيرها من أسباب نزول الآيات المكية. وبعد الهجرة: كالغزوات والعلاقة مع المنافقين.. وغيرها من أسباب نزول الآيات المدنية ؟
[1] كان ذلك عام 1134م على يد المستشرق اليهودي الألماني أبراهام جايجر، وقد نال عن دراسته تلك جائزة الدولة البروسية. انظر: المستشرقون والقرآن، عمر لطفي العالم، ص17.
[2] انظر: بذل المجود في إفحام اليهود، السموءل، ص147. وقضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، د. فضل عباس، ص197. ووحي الله، د. حسن عتر، ص185.
[3] ذكر ابن هشام عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: " كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما، إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلمونزل قباء.. غدا عليه أبي وعمي مُغلِّسين. قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. ما التفت إليَّ واحد منهما، مع ما بهما من غم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله. قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت ". انظر: السيرة النبوية 2/123. وقولها: " مغلسين " أي وقت الغلس. والغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. انظر: النهاية في غريب الحديث، الجزري، 4/377.
[4] لم يظهر بين يهود الجزيرة العربية من اشتهر بعلم أو فقه أو فلسفة.. وهذا يدل بالضرورة على عدم ازدهار الحركة الفكرية والثقافية عندهم، فهم آثروا البقاء منعزلين عن العالم، مكتفين بأبسط أنواع الحياة. انظر: العرب قبل الإسلام، د. جواد علي 6/8. ود. إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهودية في بلاد العرب، ص42.