" منها : أن الله قد ذكر في كتابه ، أنه أهلك الذين جاءتهم الرسل ، وأهل إنطاكية لما جاءهم من دعاهم إلى دين المسيح آمنوا ولم يهلكوا ..
" ومنها : أن الرسل في القرآن ثلاثة ، وجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى ، والذين جاءوا من أتباع المسيح كانوا اثنين ، ولم يأتهم رجل يسعى ، لا حبيب ولا غيره ..
" ومنها : أن هؤلاء جاءوا بعد المسيح ، فلم يكن الله أرسلهم ..
" وهذا ، كما أن الله ذكر في القرآن ، أنه أهلك أهل مدين بالظلة ، لما جاءهم شعيب ، وذكر في القرآن ، أن موسى أتاها ، وتزوج ببنت واحد منها ، فظن بعض الناس أنه شعيب النبي ، وهذا غلط عند علماء المسلمين ، مثل ابن عباس والحسن البصري وابن جريج وغيرهم ، كلهم ذكروا أن الذي صاهره موسى ليس هو شعيباً النبي ، وحُكى أنه شعيب عمن لا يعرف من العلماء ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين ، كما بسطناه في موضعه ، وأهل الكتاب يقرون بأن الذي صاهره موسى ليس هو شعيباً ، بل رجل من أهل مدين ، ومنهم من يقول : إنها غير مدين التي أهلك الله أهلها ، والله أعلم ..
" وكذلك ذكر المفسرون في المرسلين : هل أرسلهم الله ؟ أو أرسلهم المسيح ؟ قولين : أحدهما : أن الله هو الذي أرسلهم .. قال أبو الفرج ابن الجوزي : وهذا ظاهر القرآن ، وهو مروي عن ابن عباس وكعب ووهب بن منبه ، قال : وقال المفسرون في قوله " إن كانت إلا صيحة واحدة " : أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ، وصاح بهم صيحة واحدة ، فإذا هم ميتون ، لا يسمع لهم حس كالنار إذا أطفئت ، وذلك قوله " فإذا هم خامدون " أي : ساكنون كهيئة الرماد الخامد .. ومعلوم عند الناس أن أهل إنطاكية لم يصبهم ذلك بعد مبعث المسيح ، بل آمنوا قبل أن يبدل دينه ، وكانوا مسلمين مؤمنين به على دينه ، إلى أن تبدل دينه بعد ذلك ..
" ومما يبين ذلك ، أن المعروف عند أهل العلم ، أنه بعد نزول التوراة ، لم يهلك الله مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم ، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار ، كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة ، وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذاب من السماء ، فدل ذلك على أن هؤلاء الرسل المذكورين في يس كانوا قبل موسى عليه السلام ..
" وأيضاً ، فإن الله لم يذكر في القرآن رسولاً أرسله غيره ، وإنما ذكر الرسل الذين أرسلهم هو
" وأيضاً ، فإنه قال : " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث " .. فأخبر أنه أرسلهم ، كما أخبر أنه أرسل نوحاً وموسى وغيرهما ..
" وفي الآية " قالوا : ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما أنزل الرحمن من شيء " .. ومثل هذا هو خطاب المشركين لمن قال : إن الله أرسله وأنزل عليه الوحي .. لا لمن جاء رسولاً من عند رسول ..
" وقد قال بعد هذا : " يا حسرة على العباد ! ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون " .. وهذا إنما هو في الرسل الذين جاءوهم من عند الله ، لا من عند رسله ..
"وأيضاً ، فإن الله ضرب هذا مثلاً لمن أرسل إليه محمداً ، يحذرهم أن ينتقم الله منهم كما انتقم من هؤلاء ، ومحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ إنما يضرب له المثل برسول نظيره ، لا بمن أصحابه أفضل منهم ، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً أفضل من الحواريين باتفاق علماء المسلمين ، ولم يبعث الله بعد المسيح رسولاً ، بل جعل ذلك الزمان زمان فترة كقوله " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل " ..
" وأيضاً ، فإنه قال تعالى : " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون . قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا " .. ولو كانوا رسل رسول ، لكان التكذيب لمن أرسلهم ، ولم يكن في قولهم " إن أنتم إلا بشر مثلنا شبهة ؛ فإن أحداً لا ينكر أن يكون رسلُ رسلِ الله بشراً ، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشراً ..
" وأيضاً ، فلو كان التكذيب لهما ، وهما رسل الرسول ، لأمكنهما أن يقولا : فأرسلوا إلى من أرسلنا أو إلى أصحابه ، فإنهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه .. بخلاف ما إذا كانا رسل الله ..