تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما حال محمد عليه الصلاة والسلام ، فلو كان نبياً كذاباً ، لكانت مصيبة ! .. لأن هذا النبى لم يدعِ أنه تابع للمسيح ولا لغيره ، وإنما ادعى أعظم دعوى يمكن أن يدعيها بشر ، ادعى أنه مرسل من عند الله ابتداء ، وأن الله يوحى إليه ، ثم ادعى أن مخالفيه لو ماتوا بعدما سمعوا به فمصيرهم إلى النار ، وادعى أن مخالفيه فى الدنيا لو حاربوه فحل له سبى نسائهم وذراريهم وأخذ أموالهم ، وقد جهر هذا النبى بكل هذه الدعاوى ولم يستخف بها ، وعلم ذلك المؤمن به والكافر .. ثم إن الله عز وجل أيد هذا النبى بالمعجزات والخوارق ، ورأتها الجموع العظيمة وشهدت بذلك ، وتحدى العرب أن يأتوا بمثل قرآنه أو بعضه ، فأعجزهم الله أن يأتوا بشىء من ذلك .. وفى هذا من الفتنة ـ لو كان نبياً كذاباً ـ ما فيه ! .. ثم إن هذا النبى ما يدعو على أحد إلا وتستجاب دعوته .. ثم إن الله يؤيده وينصره ، بالحجة والبيان ثلاثة عشر عاماً فى مكة ، لا يستطيع مخالف له أن يعلو عليه بالحجة ، مع أنهم استعانوا عليه بعلماء أهل الكتاب فلم يقدروا .. ثم إن الله أيده ونصره بالسيف بعد ذلك ، وكتب له الظهور على أعدائه ، ونصرة دينه ، وتثبيت دعائمه ، وبناء أركان مجتمعه ، وترسية أعمدته .. ثم إن هذا النبى ادعى أنه لن يموت حتى يبلغ دينه كاملاً غير منقوص ، وأن الله سيعصمه من أعدائه حتى يفعل ، ثم كتب الله لهذا النبى نجاح ما ادعاه ، ولم يمت إلا بعد أن بلغ " فاليوم أكملت لكم دينكم " ..

كل هذا كان من حال النبى محمد ، فلو كان كذاباً لكان فى ذلك من الفتنة ما فيه ، فكان الأولى والأجدر بالكتاب المقدس أن يذكر هذا النبى صراحة وبوضوح ، لأنه سيأتى ليضل الناس عن عقيدة التثليث ! .. ويصرفهم عن لاهوت السيد المسيح ! .. ولن يكتفى بالقول ، بل سيظهر على أعدائه بالحجة واللسان ، ثم بالسيف والسنان ، وسيقيم أعظم حضارة عرفها العالم ، وسيتبعه أكثر الأمم عدداً ، فما تبع نبى مثلما تبع الناس هذا النبى .

أخشى أن تظننى أتحدث عن بولس أو عن النبى عليه الصلاة والسلام ! .. إنما أتحدث عن أمر آخر .

المقصود أن سؤالك الذى سألت ، عن عدم ذكر القرآن لبولس ، يرد على كتابك بأكثر مما يرد على القرآن ، لأن الفتنة بالنبى عليه الصلاة والسلام أعظم ، لو كان نبياً كذاباً .. مع أننا قد بينا أن المسلم ليس بحاجة لأن يذكر القرآن بولس ، بعدما ذكر تبديل دين المسيح عليه السلام عن مسار التوحيد الطبيعى .

رابعاً ..

نبه القرآن على بولس وأمثاله على سبيل العموم ، فقال عز من قائل مخبراً عن حال أهل الكتاب : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله .. " .. وقد استشكل ذلك على عدى بن حاتم وكان نصرانياً ، فقال : إنا لسنا كنا نعبدهم .. فقال النبى عليه الصلاة والسلام : ألم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلونه ؟ ألم يكونوا يحرمون عليكم الحلال فتحرمونه ؟ .. فتلك عبادتكم إياهم !

فبين أن التحليل والتحريم هو حق خالص لله عز وجل ، من ادعى أن له شيئاً فيه فقد ادعى نصيباً من الربوبية ، ومن اتبع حبراً أو قديساً فى تحريم حلال أو حل حرام ، فقد عبده من دون الله ، واتخذه رباً من دون الله ، إذ أعطاه ما لا يصرف إلا لله عز وجل من الطاعة والخضوع .

فكل من نسخ حكماً واحداً ، بعد رفع المسيح عليه السلام ، سواء بولس أو غيره ، فهو داخل فى هذه الآية ولا شك .

صدقنى يا عزيزى .. لا نصيب لبولس فى قرآن ولا سنة .. أقصد بالحسن ! .. لا ترجو ذلك ولا تأمله .. أخشى أن يطول انتظارك ، ويخيب رجاؤك !

لعل القارئ لاحظ أنى أهملت ذكر أدلة الرأى الراجح ، على أن رسل يس هم رسل من الله ابتداء ، والتى بذاتها تنفى أن يكونوا رسل المسيح عليه السلام ، فضلاً عن أن نتطرق إلى من كانوا ، وهل كان بولس بينهم أم لا .. أهملت ذكر هذه الأدلة ، مكتفياً بما ورد فى كلام ابن كثير رحمه الله .. وبما سأورده فيما يلى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، فقد كرَّ على الرأى المرجوح واجتثه من منبته ، جزاه الله عنا خير الجزاء ، وأفضل أن أترك القارئ وجهاً لوجه ، مع كلام هذا الحبر العلامة فيما يلى ..

يقول ابن تيمية رحمه الله ، فى كتابه : الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح : ج 1 ، ص 251 ط دار الحديث :

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٤٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٤٧٧