ولي مع هذا الرأي وقفات:
1- عقد التأمين عقد رضائي , والعقود في الشريعة الإسلامية أساسها التراضي بين طرفي العقد . قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء:29].
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفس) (58).
وقد اتفق جمهور أهل العلم على أن من أُكره على قول أو عقد لم يترتب عليه حكم من الأحكام وكان لغواً(59).
وإذا ألزم أحد بعقد فات شرط التراضي فانعدمت الصِّحَة فيه . والتأمين التعاوني أساسه التبرع ولا يُتَصَوَّر تبرع من مُكْرَه ! .
مع أنه قد يصح تخريج ذلك بالنسبة للتأمين التجاري عند القائل به على نزع ملكية العقارات للصالح العام والتسعير وإلزام المحتكر على البيع بسعر المثل وإلزام أرباب المهن على العمل بأجرة المثل إذا امتنعوا عن العمل إلا بأُجور فاحشة والناس بحاجة إلى منافعهم .
إلا أن القول بهذا يحتاج إلى إثبات أن الحاجة إلى هذا النوع من التعاقد ضرورة عامة يصح أن تكون سبباً لإلغاء أساس العقود الذي هو الرضا من طرفيه .
وأن هذا العقد فعلاً سبب لرفع هذه الضرورة .
ثم إن صح هذا في التأمين التجاري وقد تقدم بيان حكمه فلا يصح في التعاوني الذي تقدَّم أن أساسه التبرع والمسامحة ولا يتصور تبرع إلا برضا البَاذِل .
2- أن في الإلزام بأمر هو محل خلاف بين أهل العلم نظراً واضحاً . وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عمّن ولي أمراً من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان فهل يجوز له منع الناس ؟ . فأجاب : [ ليس له منع الناس من مثل ذلك , ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد , وليس معه بالمنع نَصٌّ من كتاب , ولا سنة , ولا إجماع , ولا ما هو في معنى ذلك ؛ لاسيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك وهو مما يعمل به عامَّة المسلمين في عامَّة الأمصار .
وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل , ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس بإتباعه في مثل هذه المسائل ؛ ولهذا لما استشار الرشيد مالكاً أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل منعه من ذلك . وقال إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرّقوا في الأمصار , وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم . وصَنَّف رجلٌ كتاباً في الاختلاف , فقال أحمد : لا تسمّه كتاب الاختلاف ولكن سمّه : كتاب السُّنة .
ولهذا كان بعض العلماء يقول : إجماعهم حجَّةٌ قاطعة واختلافهم رحمة واسعة . وكان عمر بن عبد العزيز يقول : ما يسرّني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا ؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً . وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا , ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة . وكذلك قال غير مالك من الأئمة : ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه .
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره : إن مثل هذه المسائل الاجتهاديّة لا تنكر باليد , وليس لأحد أن يلزم الناس بإتباعه فيها ؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلميَّة فمن تبين له صحّة أحد القولين تبعه ومن قَلّد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه ونظائر هذه المسائل كثيرة ] (60).
وليس هذا من الحكم الذي يرفع الخلاف , فإن ذلك في الأمور المعينة والمسائل الخاصّة بموطنها . قال شيخ الإسلام : ( الأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة , ليس لأحدٍ أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ .. وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة لا يحكمون في الأمور الكليّة .. ) (61).
وبناء على هذين الأمرين فإنه لا يظهر لي وجاهة ما قرره الأستاذان الفاضلان والله الموفق .