والجواب أن النظر الشرعي في عقود المعاوضات إنما يكون لمحلها لا إلى غاياتها فإن الغاية أمر غير منضبط ولكلٍّ أن يجعل غاية عقده بما يراه فيصح لنا أن نقول إن غايته عقد التأمين أكل المال بالباطل . ويمكن لمن يبيح الفوائد الربويّة أن يتذرع بأن غايتها تحريك المال وتنميته واستثماره . وعليه فلا تعلق توصيف الأحكام بالمقاصد والحكم منها دون النظر لمحلها . ومحل عقد التأمين هو قسط التأمين وعوضه وهذا العِوَض مجهول الحصول والمقدار والأجل .
وخروجاً من هذا اضطر بعض الباحثين إلى القول بأن محل عقد التأمين هو نفس ضمان الأمن والأمان .
وقرر أن الأمن والأمان حق معنوي متفق مع الحقوق المحسوسة في اعتباره محل معاوضة ومحلاً لتداول الأيدي على تملكه ولذا فلا مانع من أن يكون الأمان هو محل المعاوضة في عقد التأمين(35).
ويناقش هذا القول بما يلي :
1- أن الحق هو اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفاً(36). ( والحق المعنوي سلطة لشخص على شيء غير مادي هو ثمرة فكره أو نشاطه ) و الأمان ليس اختصاصاً بل هو شعور داخلي وطمأنينه نفسيَّة كالحب والبغض لا يمكن تداوله ولا المعاوضه عليه .
2- أن عقد التأمين لا يحقق للشخص الذي يرغب في توقي نتائج الخطر أماناً حقيقياً لأنه مهدد بإعسار المتعاقد معه .
3- أن جعل الأمان محلاً لعقد التأمين مخالف للنظرة القانونية التي نشأ هذا العقد في ظلالها ومخالف للنظر الفقهي حتى لدى من أجاز عقد التأمين كالشيخ مصطفى الزرقا(37).
4- أن الأمان إذا كان هو محل عقد التأمين فإنه ينبغي أن يكون منحه للمستأمن كافياً عن بذل عوض التأمين . وإذا قيل إن الأمان لا يحصل إلا ببذل عوض التأمين علمنا أن محل العقد هو المال وأن الأمان هو الباعث عليه أو الغاية منه .
5- ثم إن الأمان المجعول محلاً لعقد التأمين مجهول المقدار غير معلوم الصفة تحديداً وهذا غرر أيضاً .
الدليل الثاني : أن عقد التأمين يتضمن الميسر والقمار وقد حَرَّم الله الميسر بقوله تعالى : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(المائدة: من الآية90) .
والميسر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( أخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوض أو لا يحصل ) (38).
وهذا الوصف متحقق في عقد التأمين باعتراف رجال القانون وذلك لأن الشخص الذي يأخذ على عاتقه ضمان الخطر يراهن على تحقق الخطر فإذا لم يتحقق كسب المبلغ الذي دُفع له , وإذا تحقق دَفع مبلغاً يزيد كثيراً عما قبضه وهذا هو الرهان(39).
وقد نوقش هذا الدليل بأن التأمين جد والقمار لعب وأن المؤمن إنما دفع ماله لمن يدفع عنه ضرراً كما يدفع التاجر لمن يحرس القافلة مبلغاً لحفظها من الخطر(40).
الجواب أن عقد التأمين يدخل تحت تعريف الميسر وتوجد فيه خصائصه .
وأما الخفارة التي تُدفع لمن يحرس القافلة ونحوها فهذا المبلغ إنما يُدفع أجرةً للحارس مقابل تسليمه نفسه وقت العقد ليقوم بمقتضاه ولم يأخذ المبلغ دون تسليمه نفسه . ثم إنه لا يضمن ما سرق أو تلف إذا لم يفرط في واجبه .
الدليل الثالث : أن عقد التأمين يتضمن الربا بل هو أصيل فيه والربا محرم مفسد للعقد المشتمل عليه . وذلك أن التأمين كما عَرَّفه القانون : عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له مبلغاً من المال ... في نظير مقابل نقدي ... فهو معاوضة مال بمال دون تقابض ولا تماثل وهذا هو الربا .
أدلة أصحاب القول الثاني :
استدل أصحاب هذا القول بأقيسةٍ مختلفةٍ من أبرزها ما يلي :
الأول : القياس على العاقلة : فإنَّ العاقلة تتحمَّل شرعاً دية قتل الخطأ عن القاتل وتتقاسمها بين أفرادها لأجل تفتيت أثر المصيبة عن الجاني . وكذلك الحال في شركات التأمين فإنها تعمل على ترميم الأخطار , وتخفيف المصاب(41).