تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تطبيع الإختلاط:

18 - وأما من يقول "أن الإختلاط يكسر حاجز النفس، وهيبة الجنس للجنس، بدلا من النفرة بينهما، وحينها يتطبع الناس على هذا"، فيقال أن الزوجة تخالط زوجها عقودا، مخالطة دائمة لا تتحصل في عمل ولا تعليم، ويرى من حالها ما يحب وما يكره بلا تصنع، ومع هذا فداعي الفطرة والغريزة بينهما قائم مستديم، وإن أغمض عينيه عن هذا مَنْ تَصَنَّعَ في القول، وأظهر البراءة وحسن القصد، فهو متنكر للفطرة، ومهما بلغ الرجل والمرأة صلاحا وديانة وتعففا فلن يبلغوا طهارة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:53)، فأي خوف على قلب امرأة زوجُها محمد صلى الله عليه وسلم، وأي خوف على قلوب خير القرون، ولكن هو داعي الفطرة ومقالاتُ كثيرٍ ممن يخوض في هذه المسألة ويخالف النصوص والفطرة عند أهل العلم والمعرفة مبنيةٌ على علم قليل وفهم ناقص واتباع للمتشابه وترك للمحكم ومع توسع الأخذ بعلم الشريعة، والمناصب الدينية، والمدارس العلمية، التي تعطي الدارسين شذرا يسيرا من العلم وتصفهم بالفقه، والقلوبُ ليست حاضرة نحو الآخرة كحضورها نحو الدنيا، تجرأ أفرادٌ من أولئك على القطعيات والمسلمات، فضلا عن ظواهر الراجحات من مسائل العلم، يوافق شهوة كثير من وسائل الإعلام، فتنشر وتذيع وتنسب للدين والعلم، وكثير من الناس لا يفرقون بين العلماء والجهال، وقد قال أحد العارفين (1) "الناس على طبقات ثلاث فالطبقة العالية العلماء الأكابر وهم يعرفون الحق والباطل وإن اختلفوا لم ينشأ عن اختلافهم الفتن لعلمهم بما عند بعضهم بعضا والطبقة السافلة عامة على الفطرة لا ينفرون عن الحق وهم أتباع من يقتدون به إن كان محقا كانوا مثله وإن كان مبطلا كانوا كذلك والطبقة المتوسطة هي منشأ الشر وأصل الفتن الناشئة في الدين وهم الذين لم يمعنوا في العلم حتى يرتقوا إلى رتبة الطبقة الأولى ولا تركوه حتى يكونوا من أهل الطبقة السافلة فإنهم إذا رأوا أحدا من أهل الطبقة العليا يقول ما لا يعرفونه مما يخالف عقائدهم التي أوقعهم فيها القصور فوقوا إليه سهام الترقيع ونسبوه إلى كل قول شنيع وغيروا فطر أهل الطبقة السفلى عن قبول الحق بتمويهات باطلة فعند ذلك تقوم الفتن الدينية على ساق" (انتهى) وَأُذَكِّرُ من يتفوه بمخالفة الحق بتقوى الله، ويوم العرض عليه، وَأُذَكِّرُهُ بأعظم ما يفسد على العبد دينه كما في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» وَأُذَكِّرُهُ بأن الأمر دِينٌ، ودَيْنٌ سيتم القضاء فيه بين يدي الخالق وحده، والواجب فيه الوفاء بالحق بلا جمجمة أو ادهان، ﴿وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:62) وأن لا ينصرف بوجهه عن مراد الله إلى مراد غيره، فالوجوه لا تستقر على حال إلا وجهه الكريم لا يزول ولا يحول والله المبتغى وهو المرتجى

1 - أنظر البدر الطالع (1/ 451)

الإختلاط (تحريرٌ وتقريرٌ وتعقيب) · الصفحة ٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإختلاط (تحريرٌ وتقريرٌ وتعقيب)ص ٤٢