دعوى خصوصية أمهات المؤمنين:
17 - وأما من يجعل الحجاب خاصا بأمهات المؤمنين، وعلى هذا فالإختلاط محرم عليهن خاصة، لأن الله ذكرهن وحدهن في الآية ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:53) فهذه جهالة عصرية، لا تقوم على نظر، ولا على برهان، ولا على قولٍ لأحد من مفسري القرآن من السلف، وكأن القرآن لم يفهمه أحد إلا أهل الحضارة المعاصرة، وخيرُ القرون ومن بعدهم نقلوا الأحكام على غير وجهها، وبيان ذلك على هذا التفصيل:
- أولا: أن القرآن عام للناس بجميعه كما قال تعالى ﴿وَأُوحِيَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:19) أي من يبلغه ما فيه ممن يجيءُ بعدكم فهو حجة عليه، والعبرة بعموم حكمه، وإن تم تخصيص الخطاب لأعلى البشر وهم الأنبياء، فضلا عن آحاد الصحابة وأزواج الأنبياء، لقوله كما في صحيح مسلم «إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين»، فإذا كان خطاب الأنبياء الوارد في القرآن المخصوصين به عاما لأهل الإيمان فكيف بخطاب توجه لمن هو دونهم، فإذا دخل المؤمنون في خطاب الأنبياء فدخول النساء في خطاب أمهات المؤمنين أولى
- ثانيا: أن تخصيص القرآن لأحد بعينه لمزيدِ اهتمامٍ به، وأنه أولى بالإتباع من غيره، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل زائد عن مجرد الخطاب، كما هي عادة القرآن في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب:50)، وقوله تعالى ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (الأحزاب:52)
- ثالثا: أن آية الحجاب جاء معها بنفس الخطاب أوامر أخرى ﴿وَاذْكُرْنَ (يعني يا أزواج النبي) مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب:34) فهل هذا الخطاب خاص، فلا يُشرع ذكرُ ما يتلى في بيوتهن من القرآن والسنة إلا أزواجه! مع أن هذه الآية أظهر في الخصوصية حيث قال ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وأما في الحجاب قال ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب:53) فما قال (حجابكن) كما هنا ﴿فيِ بُيُوتِكُنَّ﴾، وهل يُفهم من هذا التخصيص الزائد أن لا يدخل فيه تلاوة الآيات والحكمة في بيوت غيركن، ولا غيركن في بيوتهن وبيوت غيرهن، وهذا لا يقول به مسلم، ولا يلتزمه من يقول بخصوصية الحجاب مع أنه في نفس الآيات ونفس السياق