- رابعا: ما أجمع عليه العلماء أن الأحكام تدور مع العلل والمقاصد من التشريع، فالله تعالى قال في آية الحجاب مخاطبا الصحابة ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:53) فما هو الشيء الذي يريد الله إبعاده من قلوب الصحابة وأمهات المؤمنين ولا يوجد عند بقية النساء وبقية الرجال إذا التقوا في المجالس والبيوت والتعليم، وما هو الشيء الذي يجده الصحابة تجاه أمهاتهم أمهات المؤمنين ولا يجدونه في بقية النساء، فإذا كان الحجاب أطهر لقلوبهم فَمَنْ بَعْدَهُمْ أحوج إلى هذه الطهارة وإذا كان الإختلاط مُنِعَ منه من وُصفن بالأمهات وزوجهن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب:6) خوفا على قلوب هؤلاء الأمهات وقلوب أبنائهن وهم خير الأجيال، فكيف بقلوب غيرهم رجالا ونساء
- خامسا: أن الله قال ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ (الأحزاب:53) فجعل طهارة قلوب الصحابة مطلبا بذاتها، وهذا يحصل في جميع النساء بل هو في غير أمهات المؤمنين أكثر، لأن نظر الصحابة لأمهات المؤمنين نظر إجلال وتعظيم وتوقير
- سادسا: أن الصحابيات اعتدن على تتبع أمهات المؤمنين فما فعلنه يرينه تشريعا لهن من باب أولى، كما جاء في البخاري ومسلم عن عمر "أن زوجته هجرته فقالت له محتجة بأمهات المؤمنين ما تنكر فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل"
- سابعا: أن الله يخصص في بعض السياقات الأنبياء والصحابة تنبيها إلى دخول غيرهم من باب أولى في الحكم، وهذا أسلوب شرعي كثير في الأحكام تنبيها إلى أنه لما دخل الأعظم والأجل فغيره أولى، لهذا قال صلى الله عليه وسلم في بيان الحدود «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» وقال في تحريم الربا «أول ربا أضع ربا عمي العباس» وقال في تحريم دماء الجاهلية «أول دَمٍ أضع دم ابن ربيعة ابن عبد الحارث بن عبد المطلب» وربيعة ابن عم النبي
- ثامنا: لو قلنا بالخصوصية، فخصوصية النبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى في المواضع التي يتوجه الخطاب إليه، لمزية له ليست في أحد من الأتباع، فالآيات التي يخاطب بها النبي عامة له ولغيره، مع كون الخطاب خاصا به ليس بمشترك بالمقابلة مع المؤمنين كما هنا ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:53) فهل الدخول في البيوت بلا استئذان جائز لخصوصية النص بالنبي هنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾؟ (الأحزاب:53) وهل السراح والطلاق يمنع لخصوصية أزواج النبي به في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾؟ (الأحزاب:28) وهل من تريد الله ورسوله من النساء لا تدخل في استحقاق الأجر العظيم، كما جاء في سياق نفس آيات الحجاب الموجهة لأمهات المؤمنين ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ (أي يا نساء النبي) تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؟ (الأحزاب:29)