وروي عن عبد الله بن يزيد بن أبي فروة: أن يعقوب عليه السلام كتب كتابا إلى يوسف عليه السلام حين حبس بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله (1) بن إبراهيم خليل الله [إلى ملك مصر] (2) أما بعد: فإنا أهل بيت وكل بنا البلاء؛ أما جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم، فقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت عيناي [من البكاء عليه] (3) ، ثم كان لي ابن وكان أخاه لأمه، وكنت أتسلى به، وإنك حبسته وزعمت أنه سرق، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك، فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره، فأظهر نفسه على ما نذكره إن شاء الله تعالى (4) .
﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) ﴾ .
قوله عز وجل: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا﴾ تخبروا واطلبوا الخبر، ﴿من يوسف وأخيه﴾ والتحسس بالحاء والجيم لا يبعد أحدهما من الآخر، إلا أن التحسس بالحاء في الخير وبالجيم في الشر، والتحسس هو طلب الشيء بالحاسة. قال ابن عباس: معناه التمسوا ﴿ولا تيئسوا﴾ ولا تقنطوا ﴿من روح الله﴾ أي: من رحمة الله، وقيل: من فرج الله. ﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ .
﴿فلما دخلوا عليه﴾ وفيه إضمار تقديره: فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف عليه السلام. ﴿قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر﴾ أي: الشدة والجوع، ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾ أي: قليلة رديئة كاسدة، لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها، وأصل الإزجاء: السوق والدفع. وقيل: للبضاعة مزجاة لأنها غير نافقة، وإنما تجوز على دفع من آخذها.