سورة الفرقان ٤١ ٤٣
لمعاصيهم لا لعدم رؤيتهم لآثارِها خلا أنَّه اكتفى عن التَّصريحِ بإنكارِهم ذلك بذكرِ ما يستلزمُه من إنكارهم للجزاءِ الأُخرويِّ الذي هو الغابة من خلق العالمِ وقد كُني عن ذلك بعدم النُّشورِ أي عدم توقُّعهِ كأنَّه قيل بل كانُوا ينكرون النُّشورَ المستتبع للجزاءِ الأُخرويِّ ولا يرَون لنفسٍ من النُّفوسِ نُشورًا أصلًا مع تحقُّقهِ حتمًا وشمولِه للنَّاسِ عمومًا واطِّرادِه وقوعًا فكيف يعترفُون بالجزاء الدٌّنيويِّ في حقِّ طائفةٍ خاصَّةً مع عدم الاطِّرادِ والملازمة بينه وبين المعاصي حتَّى يتذكَّروا ويتَّعظوا بما شاهدوه من آثارِ الهلاك وإنَّما يحملونه على الاتِّفاقِ وإمَّا انتقالٌ من التَّوبيخِ بما ذُكر منْ تركِ التَّذكرِ إلى التَّوبيخِ بما هو أعظمُ منه من عدمِ توقُّعِ النُّشورِ
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَاّ هُزُوًا﴾ أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به على معنى قصر معاملتهم معه ﷺ على اتخاذهم إياه ﷺ هُزؤًا لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هُزؤًا كما هو المتبادَرُ من ظاهر العبارةِ كأنَّه قيل ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزؤا وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى أَنِ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يوحى إِلَىَّ من سورة الأنعام وقوله تعالى ﴿أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولًا﴾ محكيٌّ بعد قول مضمر هو حالٌ من فاعلِ يتَّخذونك أي يستهزؤن بك قائلينَ أهذا الذي الخ والإشارةُ للاستحقارِ وإبراز بعث الله رسولًا في معرض التَّسليمِ بجعله صلةً للموصول الذي هو صفتُه ﷺ مع كونِهم في غاية النكير لبعثه ﷺ بطريقِ التَّهكُّمِ والاستهزاءِ وإلَاّ لقالُوا أبعثَ الله هذا رسولا أو أهذأ الذي يزعمُ أنَّه بعثه الله رسولًا
﴿إِن كَادَ﴾ إنْ مخففةٌ منْ أنَّ وضميرُ الشأن محذوفٌ أيْ إنَّه كادَ ﴿ليضلنا عن آلهتنا﴾ أي ليصرفنا عن عبادتِها صرفًا كليًَّا بحيث يُبعدنا عنها لا عن عبادتِها فقط والعدولُ إلى الإضلال لغاية ضلالِهم بادَّعاء أنَّ عبادتَها طريقٌ سويٌّ ﴿لَوْلَا أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ ثبتْنا عليها واستمسكنَا بعبادتِها ولولا في أمثال هذا الكلامِ تجري مَجرى التقييدِ للحُكم المطلقِ من حيثُ المعنى كما أشير إليه في قوله تعالى وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ الخ وهذا اعترافٌ منهم بأنه ﷺ قد بلغ من الاجتهادِ في الدعوة إلى الحق وإظهارِ المعجزاتِ وإقامةِ الحججِ والبيِّناتِ إلى حيثُ شارفُوا أنْ يتركُوا دينَهم لولا فرطُ لجَاجِهم وغايةُ عنادِهم يُروى أنَّه من قولِ أبي جهلٍ ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جوابٌ من جهتهِ تعالى لآخرِ كلامِهم وردٌّ لما ينبىءُ عنه من نسبته ﷺ إلى الضَّلالِ في ضمن الإضلال أي سوف يعلمونَ البتةَ وإنْ تراخى ﴿حِينَ يَرَوْنَ العذاب﴾ الذي يستوجبُه كفرُهم وعنادُهم ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وفيه ما لا يَخفْى من الوعيدِ والتَّنبيهِ على أنَّه تعالى لا يهملهم وإن أمهلهم
﴿أرأيت مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ تعجيب لرسول الله ﷺ من شناعةِ حالِهم بعد حكاية قبائحِهم من الأقوالِ