فيه المجيدين لأدائه، وليبين التواضع في أخذ الإنسان القرآن وغيره من العلوم الشرعية من أهلها وإن كانوا دونه في النسب والدين والفضيلة والمرتبة والشهرة وغير ذلك، ولينبه الناس على فضيلة أبي في ذلك ويحثهم على الأخذ عنه وتقديمه في ذلك، وكان بعد النبي صلى الله عليه وسلم رأسا وإماما مقصودا في ذلك مشهورا.
AUTO الباب الثاني والعشرون: في الشعر وإنشاده
(قال الفقيه) أبو الليث رحمه الله: قد تكلم الناس في إنشاد الشعر فكرهه بعض الناس، ورخص فيه آخرون. فأما من كرهه فاحتج بما روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لأن يملتئ جوف أحدكم قيحا ودما حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا)) ولأن الله تعالى قال ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ يعني الضالون. وروي عن الشعبي أنه قال: كانوا يكرهون أن يكتبوا أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم. وروي عن مسروق أنه كان يتمثل ببيت من شعر فقطعه فقيل له لو أتممت البيت؟ فقال إني لأكره أن أجد في كتابي بيتا من الشعر. وروي عن إبراهيم بن يوسف عن كثير بن هشام قال: سئل عبد الكريم عن قوله تعالى ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ قال: الغناء والشعر. وروي عن عطاء أن إبليس قال يا رب أخرجتني من الجنة لأجل آدم فأين بيتي؟ قال الحمام قال فأين مجلسي؟ قال: السوق قال فما قراءتي؟ قال الشعر قال فما حبالي؟ قال النساء قال فما حديثي؟ قال الغيبة والكذب قال فأين كتابي؟ قال الوشم. وأما حجة من أباح ذلك فما روي عن هشام بن عروة عن أبيه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من الشعر لحكمة)) وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما رأيت امرأة أعلم بشعر ولا بطب ولا بلغة ولا بفقه من عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وروى سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتناشدون الشعر والنبي صلى الله عليه وسلم بينهم جالس يتبسم. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا قرأ أحدكم شيئا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب. قيل لأبي الدرداء كل الأنصار يقولون الشعر غيرك؟ قال: وأنا أقول أيضا الشعر، ثم قال عند ذلك:
يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا
فلا تك يا ابن آدم في غرور ... فقد قام المنادي صاح نادى
بأن الموت طالبكم فهبوا ... لهذا الموت راحلة وزادا
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ((أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما بلغها خبر أبي هريرة قالت: رحم الله أبا هريرة إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأن يمتلئ جوف أحدكم