209
ذات الحنظل حتى هبط على الحديبية , فلما نزل استقى الناس من بئر فنزفت ولم تقم بهم , فشكوا ذلك إليه صلى الله عليه وسلم فأعطاهم سهما من كنانته فقال:" اغرزوه فيها " فغرزوه فجاشت وطمي ماؤها حتى ضرب الناس عنه بالعطن , فلما سمعت به قريش أرسلوا إليه أخا بني الحلس وكان من قوم يعظمون الهدي فلما رآه صلى الله عليه وسلم
قال: " هذا ابن الحلس وهو من قوم يعظمون الهدي فابعثوا الهدي حتى يراه " .
فلما نظر إلى الهدي في قلائده لم يكلمهم كلمة واحدة ورجع من مكانه إلى قريش فقال: أتى القوم بالهدي والقلائد - فعظم عليهم وحذرهم - قال: فشتموه وجبهوه وقالوا : إنما أنت أعرابي جلف لا علم لك , ولسنا نعجب منك , وإنما نعجب من أنفسنا حيث أرسلناك .
ثم قالوا لعروة بن مسعود الثقفي : انطلق إلى محمد ولا نؤتى من قبل رأيك , فسار إليه عروة فلما لقيه قال: يا محمد , جمعت أوباش الناس ثم سرت بهم إلى عترتك وبيضتك التي تفلقت عنك لتبيد خضراءهم , تعلم أني قد جئتك من عند كعب بن لؤي قد لبسوا جلود النمور وجاءوا بالعوذ المطافيل يقسمون بالله لا تعرض لهم خطة إلا عرضوا لك أمر منها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنا لم نأت لقتال , ولكن أردنا أن نقضي عمرتنا , وننحر هدينا , فهل لك أن تأتي قومك فإنهم أهلي , وإن الحرب قد أخافتهم , وأنه لا خير لهم أن تأكل الحرب منهم إلا ما قد أكلت , فيجعلون بيني وبينهم مدة يزيد فيها نسلهم ويؤمن فيها شرهم ويخلوا بيني وبين البيت فنقضي عمرتنا وننحر هدينا , ويخلوا بيني وبين الناس , فإن أصابوني فذلك الذي يريدون وإن أظهرني الله عليهم اختاروا لأنفسهم : إما قاتلوا معدين وإما دخلوا في السلم وافرين , فإني والله لأقاتلن على هذا الأمر الأحمر