أعقب المصنف رحمه الله بهذا الباب بعد أن بين أن دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله من أبواب الشرك غير الجائزة وبين حال المعبودات التي عبدت من دون الله وأنها لا تملك مع الله أو من دونه شيئاً فهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً فمن باب أولى أن لا تملك نفعاً ولا ضراً لغيرها.
قوله [﴿أيشركون ما لا يخلق شيئاً﴾] (ما) موصولية بمعنى الذي. وقوله (شيئاً) نكرة في سياق النفي، وإذا تسلط النفي على النكرة أفاد العموم كما سبق معنا، وهذا فيه دلالة واضحة أن هذه المعبودات التي أشركت مع الله في العبادة لا تملك شيئاً، أي شيء ولو كان هذا الشيء حقيراً.
قوله [﴿وهم يخلقون﴾] المقصود أن هذه المعبودات التي أُتخذت من دون الله آلهة قد خلقها الله عز وجل وما دام أن الأمر كذلك لكان المتعين على الذين عبدوها أن يعبدوا خالقها وأن تلك المخلوقات لا تملك شيئاً لأنفسها فضلاً عن غيرها.
قوله [﴿ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون﴾] هذا فيه تأكيد لما سبق لنفي كل ما يتعلق به العابد بمعبوده، فبين أن المعبودات هو الذي خلقها سبحانه وتعالى وما دام أنها مخلوقة فإنها لا تملك لأنفسها شيئاً فضلاً عن غيرها.
ثم بين متعلق آخر للعابد الذي يعبد معبوده، وهو الإستنصار به وقت احتياجه للنصرة، وهذه المعبودات لا تنصر أصحابها ولا أنفسها هي، فنفى عنها كل ما يتعلق به العابد مع معبوده ليبين أن جميع هذه المعبودات لا تستحق العبادة وأن مستحقها هو سبحانه وتعالى الرب الحميد المجيد.
قوله [﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾] (القطمير) اختلف في تفسيره، والذي عليه أكثر المفسرين ورواه ابن جرير رحمه الله عن ابن عباس وعن مجاهد وقتادة وغيرهم أن القطمير هي اللفافة التي تكون على النواة التي بداخل التمر أو الرطب.
وذكر غير واحد من المفسرين أن المقصود بذلك ليس حقيقة القطمير، يعني معناه ليس نفي امتلاكها للقطمير أنها تملك ما هو أقل منه كالنقرة التي في ظهر النواة التي في بطن التمرة، وإنما المقصود أنها لا تملك شيئاً ولو كان شيئاً حقيراً جداً كالقطمير، ليدخل كل شيء حقير وكل شيء كبير من باب أولى.
ونفي الملكية في قوله تعالى ﴿ما يملكون من قطمير﴾ نفي لحقيقة التملك، لا لوجود التملك لوقت معين أو تملك نسبي، لأن الله عز وجل هو الملك الحق، وهو مليك كل شيء، وأما تملكات الخلق فهي إلى أمد وزمن ثم تنتهي وتتلاشى، وينتهون هم كذلك، فتملكات الخلق تملكات نسبية لا تملك حقيقي للشيء بحيث يتصرف فيه كل التصرف، وبذلك لا يحل أن يتصرف في جنس ماله بخلاف ما قرره عليه المليك وهو الرب تبارك وتعالى، وقد حد حدوداً تتبع ولا يتعداها المخلوق.