0 وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه (بدائع الفوائد) أن هذا من الأمور التي تظهر عندما يأتي كثير من الخلق إلى مثل هذه الأماكن. إ. هـ.
فلهذين السببين الماضيين نهى الشارع عن الذبح لله في أماكن شركية كان يذبح فيها لغير الله 0
قوله [وقول الله تعالى ﴿لا تقم فيه أبداً﴾] (لا) هنا ناهية 0 ولذا عملت فيما بعدها بالجزم، وأصلها لا تقوم وإنما حذف حرف العلة وهو الواو لأن ما بعده سكن بالجزم ولا يلتقي الساكن مع مثله، بل لابد من حذفه، وهذا معلوم من علل التصريف التي قيدها وكتبها أهل اللغة 0
وقوله ﴿لا تقم فيه أبداً﴾ النهي هذا نهي تحريم بعدم الإقامة في مسجد الضرار الذي اتخذه أهل النفاق تكأة لهم لمآرب فاسدة، ليفرِّقوا بين جمعة المؤمنين الموحدين، وليوغروا في صدور المؤمنين وليكون ذريعة إلى الكفر، ونحو ذلك من الأهداف الوخيمة السيئة التي كان يتطلع إليها أهل النفاق. ومسجد (الضِرار) له قصة مشهورة، ذكرها أهل التاريخ والسير وأهل التفسير، وحاصلها: ــ
أن هناك رجل من أهل الخزرج من الأنصار يدعى بأبي عامر، ووسمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي عامر الفاسق وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض عليه الإسلام والدين فأبى أن ينقاد لأمر الله، وتلا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض آيات علّها تردعه وتقرِّبه إلى الله، فما أزداد من ذلك إلا بعداً 0 فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنت أبو عامر الفاسق. وهذا الرجل كان قد تنسّك وتعبّد وأخذ عن أهل الكتاب وتعلم الكتاب وبعض الحكم وكان ذا إجلال عند قومه الخزرج، فلما وقعت وقعة بدر وعلت راية الإسلام خرج هذا الرجل من المدينة النبوية ذاهباً ليؤلب أهل الكفر والإلحاد وأعداء الدين ضد المسلمين وضد النبي الأمين - صلى الله عليه وسلم - حتى كان منه أن راسل أهل النفاق والشقاق في المدينة بأن يصنعوا مكاناً ينشر الفرقة والخلاف في الصف المسلم الواحد ويكون مكاناً لهم ولمن تبعهم وأرصاداً ومرجعاً له إذا أتى إليهم، وقد تكون لهم بيضة وجماعة فقاموا وصنعوا مسجداً قبل ذهاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك وأنهوا بناء المسجد وصلى بهم بعضهم بعض الفروض، ثم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ركب دابته مريداً السفر إلى تبوك، فوعدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - تلبية لرغبتهم أنه إذا عاد إلى المدينة أن يصلى بهم في مسجدهم حتى يتباركوا بصلاته ويكسب المسجد شرعية بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه.
فلما دنى النبي - صلى الله عليه وسلم - قافلاً من تبوك إلى المدينة وما بقي إلا يوم أو بعض يوم عن المدينة أتاه جبريل عليه السلام فأخبره بأمر المسجد، وأنه ما أُتخذ إلا نفاقاً وإرصاداً لمحادة الله ورسوله وتفريقاً بين المؤمنين وكفراً وعناداً إلى غير ذلك، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه أن يذهبوا إلى هذا المسجد ويهدموه، فذهب نفر منهم وأحرقوا المسجد، فهذا المكان بعد إحراقه موجود، ولذا نهى الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن لا تطأ قدماه هذا المسجد، وأن لا يقوم لله فيه.