تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى هذا المذهب، فالإشكال لازم من وجه آخر. وذلك أن مراتب البطء والسرعة في الحركات كثيرة متفاوتة. فإنه لا بطء، إلا ويوجد ما هو أبطأ منه، أو ما هو أسرع منه. فوقوع هذه المرتبة المعينة من البطء والسرعة

دون سائر المراتب، لا بد وأن يكون بالقصد. لأن القصد إلى إيقاع هذه المرتبة دون سائر المراتب: مشروط بالعلم بامتياز هذه المرتبة عن سائر

المراتب. ومعلوم: أن النملة إذا تحركت، فإنه لم يخطر ببالها امتياز تلك المرتبة من السرعة والبطء، عن المرتبة التي تزداد عليها وتنتقص عنها، فقدر تلك المرتبة من السرعة والبطء، عن المرتبة التي تزداد عليها وتنتقص منها قدر قليل لا يحس الإنسان به. فإن الذي لا يقدر الإنسان على الإحساس به، كيف تقدر النملة والدودة على الإحساس به؟.

وأيضا: فعلى هذا المذهب لا بد وأن يكون البطء عرضا قائما بتلك الحركة. ففاعل تلك الحركة البطيئة فاعل لنوعين من الفعل.

أحدهما: أصل الحركة. والثاني: البطء الذي هو يوجده في تلك الحركة. ومعلوم: أن هذا المعنى لا يخطر ببال أكثر العلماء، فضلا عن العوام، والصبيان، والمجانين. فضلا عن البهائم والحشرات.

الرابع: إن مذهب مشايخ المعتزلة: أن قدرة العبد لا يكون لها تأثير في حصول الجسم في الحيز. وإنما تأثيرها في المعنى الذي يقتضي حصول الجسم في الحيز.

إذا ثبت هذا فنقول: إن البهائم والنائمين والغافلين حين ما يتحركون ويسكنون، لا يخطر ببالهم إلا نفس حصول الجسم في الحيز. فأما إثبات معنى حصول الجسم في الحيّز.

فذلك مما لا يخطر ببال أفضل الفقهاء والنحاة، فضلا عن العوام، فضلا عن الصبيان والمجانين، فضلا عن البهائم والحشرات. وعلى هذا فنقول: الذي تصوره العقلاء وعرفوه - وهو حصول الجسم في الحيز - قد أخرجوه عن كونه مقدورا للعبد. والذي جعلوه مقدورا للعبد، فهو شيء لا يتصوره أحد، ولا يدركه ألبتة، لا بالقليل ولا بالكثير. ومتى كان الأمر كذلك، فكيف يعقل أن يقال: إن الفاعل المختار أبدا، يقصد إيجاده وتكوينه.

القضاء والقدر · الصفحة ٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٩١