حصول مراد الثاني. فلو امتنع المرادان معا، لوجب أن يحصلا معا، حتى يصير حصول مراد كل واحد منهما، مانعا للآخر عن حصول مراده. فثبت: أنه لو امتنع المرادان معا، فيعود هذا القسم إلى القسم الأول، وإنه باطل. وإنما قلنا: إنه يمتنع حصول أحد المرادين دون الثاني، لأن كل واحد من هذين القادرين مستقل بالإيجاد. وقد دللنا على أنه يمكن أن يقال: إن إحدى القدرتين مستقل بالإيجاد. وقد دللنا على أنه يمكن أن يقال: إن إحدى القدرتين أقوى من الأخرى. لأنا بينا: أن ذلك المقدور شيء واحد، لا يقبل التّجزؤ والتبعض. ولا يقبل الأشد والأضعف. وإذا كان المقدور غير قابل للتفاوت، امتنع أن يكون الاقتدار عليه قابلا للتفاوت.
فثبت: أن كل واحدة من هاتين القدرتين، مساوية للأخرى في القوة والشدة. وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان مقدور إحدى القدرتين أولى بالوقوع، لكان هذا رجحانا لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح. وهو محال. فثبت: أن القول بإثبات موجد ما سوى اللَّه تعالى، يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة، فكان القول به باطلا.
واعلم: أن هذا الدليل، هو الدليل المشهور، المذكور في إثبات أن إله العالم واحد.
وباللَّه التوفيق
البرهان الرابع
لو كان العبد موجدا لأفعال نفسه، لكان عالما بتفاصيل أفعال نفسه. وهو غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه، فوجب أن لا يكون موجدا لأفعال نفسه. فنفتقر هاهنا إلى إثبات مقدمتين:
أما المقدمة الأولى: وهي قولنا: لو كان موجدا لأفعال نفسه، لكان عالما بتفاصيل نفسه وهو غير عالم بتفاصيل نفسه، فوجب أن لا يكون موجدا لأفعال نفسه فيدل عليه القرآن والبرهان.
أما القرآن: فهو قوله: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ (1)؟ استكبر أن يكون الخالق للشيء، غير عالم به.
(1) سورة الملك الآية (14)؛ ويذكر الفخر الرازي وجوها ثلاثة لتفسير «من»: أحدها أن تكون في محل الرفع والمنصوب يكون مضمرا والتقدير: ألا يعلم من خلق مخلوقه، وثانيها: أن تكون في محل النصب ويكون المرفوع مضمرا والتقدير ألا يعلم اللَّه من خلق، وثالثها أن تكون «من» في تقدير «ما» وتكون إشارة إلى ما يسرّه الخلق وما يجهرونه ويضمرونه .. - - وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى ويسترسل الرازي في استنباط الدلالة من الآية على ذلك (التفسير الكبير (67) / (30) - (68)) وانظر (التبيان في إعراب القرآن للعكبري (1232) / (2)).