امتناع في كون الشيء الواحد: جائزا لذاته، ممتنعا لسبب منفصل. ألا ترى أن الممكن: ممكن لذاته، واجب عند حضور علة وجوده، ممتنع عند عدم سبب وجوده. فكذا هاهنا.
وأما بقية الوجوه: فهي شبهات يذكرونها في أن الأمر بالمحال، لا يجوز. لكنا بينا: أن هذا المعنى واقع. لأنه يخلق الدواعي إلى الكفر في حق الكافر، ثم يأمره بالإيمان. وما ذاك إلا تكليف ما لا يطاق.
وأما الوجوه السمعية التي عولوا عليها: فهي قابلة للتأويل. وما ذكرناه من الدلائل لا يقبل التأويل. فكان الترجيح من جانبنا.
قلنا: جوابهم الأول. وهو قولهم: «خطأ قول من يقول: إن وقوع ما علم اللَّه أنه لا يقع: يدل على انقلاب علم اللَّه جهلا، وخطأ قول من يقول: إنه لا يدل»: فضعيف. وذلك لأنهم إن أرادوا أن كلا النقيضين باطل في نفس الأمر. فهذا لا يقوله عاقل. وإن أرادوا به أن أحدهما حق، ولكن لا ينطقون به ولا يتلفظون به فهذا مسلم. إلا أن إلزامنا غير مبني على نطقهم، ولا على لفظهم وعبارتهم. فإنا لما بينا أنه تعالى إذا علم أنه لا يؤمن. فلو آمن ذلك الشخص. فإن على هذا التقدير، لم يكن علمه مطابقا للمعلوم. ولا معنى للجهل إلا هذا.
فثبت منه: أنه يلزم انقلاب علم اللَّه جهلا. ولما كان هذا محالا، وجب أن يكون ذلك محالا لأن المؤدي إلى المحال محال.
وأما جوابهم الثاني: فضعيف أيضا: لأن قولنا: لو كان الداخل في الوجود هو إيمان «زيد» لعلم اللَّه في الأزل أنه يؤمن. ولو كان الداخل عدم إيمانه، لعلم اللَّه في الأزل أنه لا يؤمن. فهذا قضية شرطية. لأن قولنا: لو كان كذا، لكان كذا: لا شك أنه قضية شرطية. لكنا
نقول: إنه لا بد مع حصول هذه القضية الشرطية، أنه تعالى كان عالما في الأزل بأنه يؤمن، أو كان عالما بأنه لا يؤمن.
فثبت: أن أحد هذين العلمين حاصل. وإذا كان ذلك حاصلا، امتنع أن يقع نقيض ذلك المعلوم، وإلا لزم أن يصير علمه جهلا وهذا محال. وأيضا: إن ذلك العلم، لما كان علما في الأزل ثم قدرنا أن المعلوم لم يقع في الأزل، فحينئذ ينقلب ذلك العلم جهلا في الأزل. وهذا مفضي إلى وقوع التبديل فيما