تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرابع: لو كان العلم بالعدم، مانعا من الوجود. لكان أمر اللَّه الكافر بالإيمان: أمرا له

بإعدام علمه وبتجهيله وبتكذيبه. وكما أنه لا يليق بحكمته أن يأمر عباده بأن يعدموه، فكذلك لا يليق بحكمته أن يأمرهم بأن يعدموا علمه. لأن إعدام ذات اللَّه تعالى وصفاته، ليس في طاقته. فكان الأمر سفها وعبثا. وهو على الحكيم محال. فدل هذا: على أن العلم بالعدم لا يكون مانعا من الوجود.

الخامس: إن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات، نظرا إلى ذاته وعينه. فوجب أن يعلمه اللَّه من الممكنات الجائزات. إذ لو لم يكن كذلك، لكان ذلك العلم جهلا، وهو محال. وإذا كان علم اللَّه من الممكنات الجائزات، التي لا يمتنع وجوده ولا عدمه - ولو صار بسبب العلم واجبا - لزم أن يجتمع على الشيء الواحد: كونه من الممكنات، وكونه ليس من الممكنات. وهو محال.

السادس: إن الأمر بالمحال: عبث وسفه، فلو جاز ورود الشرع به في بعض الصور، لجاز وروده به في بقية الصور. فوجب أن لا يمتنع من الباري تعالى: أن يظهر المعجزات على أيدي الكاذبين، وأن لا تمتنع أقوال الكتب المشتملة على الكذب والأضاليل. وعلى هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء عليهم السلام، ولا بصحة القرآن. بل يجوز أن يكون كله كذبا. ولما بطل ذلك، علمنا: أن العلم بعدم الإيمان، والخبر عن عدم الإيمان، لا يقتضي انقلاب الإيمان محالا.

السابع: لو جاز ورود الأمر بالمحال في هذه الصورة، لجاز ورود أمر الأعمى بنقط المصحف، وورود أمر الزّمن بالطيران في الهواء، وأن يقال لمن قيد يداه ورجلاه، وألقي من شاهق جبل: لم لم يطر إلى الفوق؟ ولما لم يجز شيء من ذلك في العقول، علمنا: أنه لا يجوز ورود الأمر بالمحال. ثم إنا أجمعنا على أن اللَّه تعالى أمر من علم منه أنه لا يؤمن. فدل ذلك على أن العلم بالعدم، لا يدل على الامتناع.

الثامن: لو جاز ورود الأمر بالمحال، لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات، وإنزال الكتب عليها، وإنزال الملائكة عليها، لتبليغ التكاليف إليه، حالا بعد حال. ومعلوم أن ذلك سخرية، وتلاعب بالدين.

القضاء والقدر · الصفحة ٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٦٠