تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يرجح أحد مقدوريه على الثاني من غير مرجح. والأول باطل. لأنا نجد من أنفسنا بالضرورة: أن الذي يمشي في السوق إلى موضع، إذا وقع في قلبه: أن الرجوع عن ذلك الجانب إلى جانب آخر: مصلحة من وجه. فإنه متى تعادلت الداعيتان في قلبه، ولم يترجح أحدهما على الآخر ألبتة، فإن ذلك الإنسان يبقى في ذلك الموضع، ولا يمكنه أن يتقدم أو يتأخر ويبقى على تلك الحالة إلى أن يقع في قلبه: أن أحد الجانبين أكثر مصلحة. وعند ظهور هذا الرجحان يترجح الذهاب إلى ذلك الجانب. فثبت: أن القول بأنه يصدر عنه أحد الضدين من غير أن يكون هو مرجحا لذلك الضد كلام تدفعه بديهة العقل. وأيضا: فهل يقبل العقل أن يقال: العطشان إذا خير بين شرب قدحين، ثم أنه لا يمد يده إلى أحدهما، ولا يخص أحدهما بالأخذ والرفع. بل لمجرد كونه قادرا يرتفع أحد القدحين إلى فمه، وينصب ذلك الماء في حلقه؟ فهذا مما يعلم بطلانه ببديهة العقل (1).

وأما إن قيل: إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح. فنقول: هذا الكلام في نفسه متناقض. لأن هذا القائل سلم أن ذلك القادر ما لم يجرح أحد ذينك المقدورين على الآخر، لم يحصل الرجحان وسلم أن ذلك الترجيح أمر زائد على مجرد كونه قادرا. فإذا كان لا يحصل الرجحان إلا عند حصول ذلك الترجيح، وثبت أن ذلك الترجيح أمر زائد على مجرد كونه قادر، فهذا اعتراف بأن الرجحان لا يحصل إلا عند المرجح. فقوله: «القادر يرجّح» مشعر

بحصول المرجح الزائد. وقوله بعد ذلك: «إنه لا لمرجح» مشعر بنفي المرجح الزائد، فكان قوله: «القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح» جمع بين النقيضين. وهو كلام باطل.

(1) يقول الرازي في المطالبة العالية (9) / (3)): «حد القادر»: أجود ما قيل فيه أنه الذي يصح منه أن يفعل تارة وأن لا يفعل أخرى، بحسب الدواعي المختلفة. وتفسير الدواعي هو أن الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في الفعل الفلاني مصلحة راجحة فعند حصول أحد هذه الثلاثة يحصل في قلبه ميل جازم إلى الفعل فإن كانت أعضاؤه سليمة فإن عند حصول ذلك الميل في قلبه يصدر عنه ذلك الفعل. وأما إن علم أو ظن أو اعتقد أن له في الفعل الفلاني مفسدة راجحة فعند حصول هذا العلم أو الاعتقاد أو الظن يحصل في قلبه نفرة جازمة عن ذلك الفعل. فإن كانت أعضاؤه سليمة ترتب على حصول تلك النفرة مع سلامة الأعضاء: الترك. وهذا هو المراد بالداعي». وفي «معالم أصول الدين» ينقل قول أبي الحسن الأشعري أن القدرة لا تصلح للضدين ويعقب عليه بقوله: وعندي إن كان المراد من ذلك المزاج المعتدل وتلك السلامة في الأعضاء فهي صالحة للفعل والترك. والعلم به ضروري. وإن كان المراد منه أن القدرة ما لم تنضم إليها الداعية الجازمة المرجحة فإنها تصير مصدرا لذلك الأثر وإن عند حصول المجموع لا تصلح للضدين فهذا حق» (ص (90)). أما في «المحصل» فيرى أن القدرة لا تصلح للضدين خلافا للمعتزلة (ص (153)) وكذلك في الملخص في أصول الدين يرى نفس الرأي الذي رآه في المعالم (انظر فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية للدكتور محمد صالح الزركان ص (534)). أما في الأربعين في أصول الدين فيقول بأن القادر هو الذي «يصح منه الفعل والترك بحسب الدواعي المختلفة» (ص (122) عن المصدر السابق ص (298)).

القضاء والقدر · الصفحة ٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٤٣