تخطَّ إلى المحتوى

إحداهما عن الأخرى بكونها طاعة أو معصية. وما به المشاركة غير ما به الممايزة. فثبت: إن كونها حركة غير، وكونها طاعة أو معصية فذات الحركة ووجودها واقع بقدرة اللَّه تعالى. أما كونها طاعة أو معصية فهو صفة واقعة بقدرة العبد» (1).

هذا تلخيص مذهب «القاضي» على أحسن الوجوه.

القول الثاني: إن المؤثر في وجود ذلك الفعل هو قدرة اللَّه تعالى، مع قدرة العبد.

ثم هاهنا احتمالان:

أحدهما: أن يقال: إن قدرة اللَّه تعالى مستقلة بالتأثير وقدرة العبد أيضا مستقلة بالتأثير إلا أن اجتماع المؤثرين المستقلين على الأثر الواحد: جائز.

والثاني: أن يقال: قدرة اللَّه تعالى مستقلة بالتأثير، وقدرة العبد غير مستقلة بالتأثير، وإذا انضمت قدرة اللَّه تعالى إلى قدرة العبد، صارت قدرة العبد مستقلة بالتأثير بتوسط هذه الإعانة.

ويقال إن هذا القول هو مذهب الأستاذ «أبي إسحاق» (2) إلا أنه يحكى عنه أنه قال «قدرة العبد تؤثر بمعنى».

والقول الثالث: إن حصول الفعل عقيب مجموع القدرة مع الداعي واجب. وذلك لأن القادر من حيث إنه قادر يمكنه الفعل بدلا عن الترك، وبالعكس، ومع حصول هذا الاستواء، يمتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر. فإذا

(1) يفسر الباقلاني معنى الكسب بأنه «تصرف في الفعل بقدرة تقارنه في محله فتجعله بخلاف صفة الضرورة من حركة الفالج (التمهيد للباقلاني ص (303) عن (نشأة الأشعرية ص (336)). وينقل الشهرستاني عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه «تخطى» رأي أبي الحسن الأشعري قال: «والقاضي أبو بكر الباقلاني تخطى عن هذا القدر قليلا فقال: الدليل قد قام على أن القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست تقتصر صفات الفعل أو وجوهه واعتباراته على جهة الحدوث فقط. بل هاهنا وجوه أخر هنّ وراء الحدوث من كون الجوهر جوهرا متحيزا قابلا للعرض. ومن كون العرض عرضا ولونا وسوادا وغير ذلك. وهذه أحوال عند مثبتي الأحوال. قال: فجهة كون الفعل حاصلا بالقدرة الحادثة أو تحتها نسبة خاصة ويسمى ذلك كسبا وذلك هو أثر القدرة الحادثة ... فأثبت القاضي تأثيرا للقدرة الحادثة وأثرها. هي الحالة الخاصة وهي جهة من جهات الفعل حصلت من تعلق القدرة الحادثة بالفعل. وتلك الجهة هي المتعينة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب فإن الوجود من حيث هو وجود لا يستحق عليه ثواب وعقاب. خصوصا على أصل المعتزلة ... الخ» ((97) / (1) - (98)).

ويرى ابن قيم الجوزية أن الباقلاني اضطرب في هذه المسألة فمرة يوافق شيخه الأشعري ومرة يقول: القدرة الحادثة لا تؤثر في إثبات الذات وأحداثها ولكنها تقتضي صفة المقدور زائدة على ذاته تكون حالا له، وتارة يقول: تلك الصفة التي هي من أثر القدرة الحادثة مقدورة للَّه تعالى. ولم يمتنع عن إثبات هذا المقدور بين قادرين» (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ص (174)).

(2) هو الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إسحاق الأسفراييني الملقب بركن الدين. الفقيه المتكلم الأصولي. أقام بالعراق مدة ثم انتقل إلى اسفراين فدخل عليه أهل نيسابور ونقلوه إلى نيسابور وبنوا له مدرسة درس فيها إلى أن مات يوم عاشوراء سنة (418) ه‍ثم حمل إلى اسفراين ودفن بها. من آثاره: جامع الحلي في أصول الدين والرد على الملحدين، وتعليقة في أصول الفقه.

انظر: طبقات الشافعية للسبكي (256) / (4)، تبيين كذب المفتري ص (243)؛ وفيات الأعيان (4) / (1) - (5)؛ البداية والنهاية لابن كثير (24) / (12)؛ شذرات الذهب (209) / (3) - (210)؛ تذكرة الحفاظ (1084) / (3)؛ مرآة الجنان (31) / (3) - (32)، معجم المؤلفين (83) / (1)؛ طبقات ابن هداية اللَّه ص (135) - (136).

القضاء والقدر · الصفحة ٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.