والجواب عما احتجوا به أولا من وجوه:
الأول: إنكم إما أن تدّعوا وجوب حصول الفعل عند حصول الداعي، وامتناع حصول الفعل عند عدم تلك الدواعي. وإما أن لا تدعوا ذلك. فإن ادعيتم الأول لزمكم الجبر، لأن حصول تلك الدواعي ليست من العبد. وإلا لزم التسلسل، بل تكون من اللَّه تعالى.
وعلى هذا التقدير: إذا خلق اللَّه في العبد تلك الدواعي، وجب حصول ذلك الفعل، شاء العبد أم أبى. وإذا لم يخلقها فيه امتنع حصول الفعل، شاء العبد أم أبى. وإذا كان كذلك، كان تكليف العبد تكليفا بما ليس في وسعه. وأيضا: فلأنه تعالى لما كان هو الفاعل لما يوجب حصول هذه الأفعال القبيحة، كان أيضا فاعلا لهذه القبائح. لأنه لا فرق بين فعل القبيح، وبين ما يوجب فعل القبيح، أو فعل ما يجب عنده القبيح. فأما أن لا تقولوا بوجوب حصول الفعل عند حصول الإرادة، وامتناع حصوله عند عدم الإرادة. فحينئذ لا يتم لكم هذا الاستدلال. لأنه إذا لم يجب حصول الفعل عند حصول الدواعي، لم يلزم من عدم حصول الفعل عند توفر الدواعي، ومن حصوله عند خلوص الصوارف: محال. وحينئذ يفسد هذا الدليل بالكلية.
الثاني: أن نقول: لا نسلم أن حصول هذه الأفعال عند توفر الدواعي واجب. وذلك لأنه ليس حصول الأفعال عند حصول الدواعي أظهر من حصول الشبع للحي السليم، عند
تناول الغذاء الجيد. وحصول الري عقيب الشرب. وحصول النبت عند إلقاء البذر في الأرض الحرة، مع حصول سائر الشرائط من السقي والشمس. ثم إن الأكثرين من المعتزلة: سلموا أن حصول هذه الأشياء عقيب هذه الأمور على سبيل العادة، لا على سبيل الوجوب. فكذا هاهنا.
الثالث: لم لا يجوز أن يقال: إن ذلك الفعل كان واجب الحدوث في ذلك الوقت بعينه لذاته، وكان ممتنع الحدوث في سائر الأوقات لعينه ولذاته؟ وهذا غير مستبعد على أصول المعتزلة. وذلك لأن عندهم الأعراض التي لا تبقى، يختص حدوث كل واحد منها بوقت معين، مع أنه كان يمتنع حدوثه قبل ذلك أو بعده. فإذا عقل اختصاص ذلك الجواز بوقت دون وقت، فلم لا يجوز أيضا أن يختص وجوب حدوث هذه الأفعال، بوقت دون وقت، لا لمؤثر أصلا ألبتة؟ وعلى هذا التقدير، يمتنع أن يقال: إن ذلك الفاعل إنما