الحجة. قال: «بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم» قال: فلم نعمل إذا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا فقلت: إنه ليس شيء إلا خلق اللَّه، وملك يده: لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ (1) فقال عمران بن الحصين: سددك اللَّه ووفقك. أما واللَّه ما سألت إلا لأحزر. وإن رجلا من مزينة، أتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فقال يا رسول اللَّه: أ رأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه؟ أ شيء قضى عليهم من اللَّه الحجة قال:
«بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم» قال: فلم نعمل إذا؟ قال: «من كان خلقه لواحد من المنزلتين، فهو مستعمل لها». وتصديق ذلك في كتاب اللَّه: وَنَفْسٍ وَما سَوّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْاها (2).
واعلم: أن القضاء يحتمل أن يكون المراد منه: وضع الأسباب التي لزم من مصادقات
بعضها لبعض، تأديها بالآخرة إلى هذا الفعل - على هو مذهبنا، وقولنا خاصة - ويحتمل أن يكون المراد منه: علم اللَّه تعالى بوقوع ذلك الفعل، أو حكمه بوقوعه. وعلى جميع التقديرات، فقد بينا: أن العبد لا استقلال له بالفعل والترك.
الحجة الحادية والعشرون: ما روى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «إن اللَّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض. فجاء بنو آدم على قدر الأرض. منهم الأحمر والأسود والأبيض والأصفر. ومن ذلك السهل والحزن والخبيث والطيب» (3) واعلم: أن هذا إشارة إلى ما بينا من اختلاف الأمزجة. فوجب اختلاف الأخلاق والأفعال والعقائد. فمن كانت الصفراء عليه أغلب، كان الغضب والسبعية والقسوة عليه أغلب. ومن كان البلغم عليه أغلب، كان السكون والهدوء والبلادة عليه أغلب.
الحجة الثانية والعشرون: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: كنت جالسا عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، إذ أقبل أبو بكر وعمر، و
(1) سورة الأنبياء الآية (23).
(2) الحديث رواه مسلم بطوله في القدر باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ((2041) / (4) رقم (2650)) وأحمد ((438) / (4))؛ وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه (الدر المنثور (356) / (6)) من طريق أبي الأسود الدّؤلي أو الديلي ويقال الدؤلي عن عمران بن حصين رضي اللَّه عنه. وفي النص بعض الاختلافات عن رواية الرازي رحمه اللَّه. والآيتان هما من سورة الشمس (7) - (8).
(3) الحديث رواه الترمذي في التفسير باب ومن سورة البقرة ((204) / (5) رقم (2955)) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأبو داود في السنة باب في القدر ((221) /
(4) رقم (4693))؛ وأحمد ((400) / (4) و (406)) وأخرجه الحاكم ((261) / (1) و (380)) والبيهقي (الفتح الكبير (333) / (1)).