والرابع: إنه لما سمع ذلك الصوت، لم يفهم كلامهم، فكيف عرف بمجرد سماع الصوت، أن القوم قد ضلوا؟.
والجواب عن الأول: ظاهر على قولنا: إن مجموع القدرة مع الداعي، يوجب الفعل.
وذلك لأن السامري «أضلهم» على معنى أنهم إنما ضلوا بسبب الفعل الصادر عنه. واللَّه تعالى أضلهم بمعنى أنه تعالى هو الذي خلق القدرة والداعية، اللذين صار مجموعهما موجبا لحصول ذلك الفعل. فأحدهما: سبب قريب. والآخر: سبب بعيد.
وبه خرج الجواب عن السؤال الثاني: وذلك لأنه تعالى أضاف الإضلال إلى السامري، إضافة الحكم إلى السبب القريب. وموسى صلى اللَّه عليه وسلم أضافه إلى اللَّه تعالى إضافة الحكم إلى السبب البعيد. والمبدأ الأول لما بينه موسى عليه السلام، أنه المؤثر الأول، الذي هو سبب الأسباب، لا جرم قال تعالى: (إنك أحكم الحكماء) ولا يلزم من هذا القدر أن يكون أكثر حكمة من اللَّه.
وأما قوله ثالثا: «كيف سمع موسى هناك أصوات القوم؟ فنقول: ذلك الزمان أمكن انخراق العادات. وعندنا لا يبعد أن يخلق اللَّه سمعا للإنسان يسمع به الأصوات المتباعدة جدا.
وأما قوله رابعا: «هب أنه سمع الأصوات، فكيف عرف أنهم ضلوا»؟ قلنا: بالطريق الذي ثبت جواز أن سمع به تلك الأصوات البعيدة، ثبت أيضا جواز أن يفهم كلامهم.
وبهذا الطريق سقطت هذه الكلمات. واللَّه أعلم.
الحجة السابعة عشر: ما روى أنس. أن النبي عليه السلام قال: «إذا أراد اللَّه بعبد خيرا، استعمله» قيل: فكيف يستعمله يا رسول اللَّه؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (1) ووجه الاستدلال بهذا الخبر: هو أن هذا صريح مذهبنا في أن قدرة العبد إن كانت صالحة للعمل الصالح وللعمل الفاسد. فذلك التوفيق، عبارة عن ترجيح داعية الصلاح على داعية الفساد في قلبه. ثم إنه تعالى اكتفى بذكر هذا التوفيق عن وقوع ذلك العمل الصالح. لأن عند
(1) الحديث رواه الترمذي في القدر باب ما جاء أن اللَّه كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار ((450) / (4) رقم (2142)) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أحمد في مسنده ((106) / (3)، (120))، والحاكم في المستدرك ((340) / (1))، وابن حبان في صحيحه (فيض القدير (257) / (1)).