والاستدلال بهذا الخبر كما تقدم. وقوله: «استعمله بعمل أهل الجنة» معناه: بخلق الدواعي الموجبة للأفعال المخصوصة. واعلم: أن هذه الأحاديث بأسرها صريحة في أن الحق ما اخترناه من أن مجموع القدرة مع الداعي: مستلزم للفعل.
الحجة التاسعة: روى مسلم (1) في صحيحه بإسناده عن عائشة قالت: أدرك النبي صلى اللَّه عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار. فقالت عائشة: طوى له عصفور من عصافير الجنة. فقال عليه السلام: «وما يدريك؟ إن اللَّه خلق الجنة، وخلق لها أهلا، وهم في أصلاب آبائهم. وخلق النار، وخلق لها أهلا، وهم في أصلاب آبائهم».
ووجه الاستدلال به: ظاهر. كما تقدم: واعلم: أنا ذكرنا في باب الدلائل العقلية: أن اختلاف أحوال الخلق في العقائد والأفعال، قد يكون لاختلاف جواهر النفوس الناطقة في حقائقها وماهياتها. وقد يكون لأجل الأسباب الخارجية.
أما القسم الثاني من السعادة والشقاوة فإنها لا تحصل إلا لنفوس البالغين. وأما القسم الأول فإنها حاصلة لنفوس الأطفال. لأن النفس إذا كانت في جوهرها وماهيتها شديدة الاستعداد لقبول الإشراق الروحاني، قليلة الالتفات إلى اللذات الجسدانية، فهي سعيدة، والتي على العكس من ذلك فهي شقية.
فإن قيل: «إنه تعالى خلق النار، وخلق لها أهلا» المراد من اللام: لام العاقبة. كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ. لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (2) وسيأتي الكلام في هذا المعنى عند التمسك بقوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ (3).
الحجة العاشرة: روى مسلم (4) بإسناده عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. أنه قال:
(1) الحديث رواه مسلم في القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ((2050) / (4) رقم (2662))؛ وأبو داود في السنة باب في ذراري المشركين ((229) / (4) رقم (4713)) والنسائي في الجنائز باب الصلاة على الصبيان ((57) / (4)). وابن ماجه في المقدمة باب في القدر ((32) / (1) رقم (82)) وأحمد ((41) / (6) و (208)).
(2) سورة القصص الآية (8).
(3) سورة الأعراف الآية (179).
(4) الحديث رواه مسلم في القدر باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام ((2044) / (4) رقم (2653))، والترمذي في القدر باب (18) ((458) / (4) رقم (2156)) وقال: حديث حسن صحيح غريب. ولفظه عنده «قدّر اللَّه المقادير» وأحمد ((169) / (2)).