فإذا حضره الموت رأى المكروه. فعند ذلك يكره لقاء اللَّه، ويكره اللَّه لقاءه» (1).
المثال الرابع: روي أنه عليه السلام قال: «ولد الزنا شر الثلاثة» فقال ابن عمر: بل ولد الزنا خير الثلاثة: والنبي عليه السلام إنما قال ذلك في ولد زنا بعينه (2).
فثبت؛ أن الكلام قد يكون مسبوقا بمقدمة، ويتغير المعنى بسبب تغير تلك المقدمة. فإذا لم يسمعها الراوي، تغير المقصود جدا.
الوجه السابع من وجوه الطعن: اختلاف الإعراب: فإن الحركات الإعرابية قد تخفى وتشتبه. فيتغير المعنى بسبب ذلك. كما في قوله: فحج آدم موسى. فإنك لو نصبت آدم، كان المعنى شيئا. ولو رفعته كان المعنى ضد ذلك.
الوجه الثامن: أن الراوي قد يروي على سبيل التأويل: روي أن أبا هريرة كان في سفر، فلما نزل القوم، ووضعوا السفرة، بعثوا إليه واحدا، وهو يصلي. فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا، جاء أبو هريرة، وشرع في الأكل، فنظر القوم إلى رسولهم. فقال: ما تنظرون إلي؟ واللَّه قد أخبرني أنه صائم. فقال أبو هريرة: صدق. سمعت رسول اللَّه يقول: «من صام ثلاثة أيام من كل شهر، فقد صام الشهر كله» (3) وقد صمت ثلاثة أيام من كل شهر. فأنا صائم الشهر كله. وتصديق ذلك في كتاب اللَّه: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ، فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (4).
وأقول: لو أن أبا هريرة لم يكشف عن مراده، لحصل التلبيس. ولكنه لما بين ذلك، علموا أنه إنما قال ذلك على سبيل التأويل. وإذا كان كذلك فلا
(1) حديث «من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه. ورواه أيضا عن عائشة رضي اللَّه عنه وهو متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه (جامع الأصول لابن الأثير (595) / (9) - (598)).
(2) حديث «ولد الزنا شر الثلاثة» رواه أبو داود في العتق باب في عتق ولد الزنا عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه مرفوعا به ((28) / (4) رقم (3963)) وأحمد ((311) / (2)) والحاكم في المستدرك ((214) / (2)) وصححه ووافقه الذهبي و ((100) / (4)) وصححه أيضا.
وعزاه السيوطي في الجامع الصغير أيضا للبيهقي عنه به والحديث رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما بزيادة «إذا عمل بعمل أبويه» (الفتح الكبير (303) / (3)). قال المناوي في فيض القدير «قال الهيثمي: وفيه محمد بن أبي - - ليلى سيئ الحفظ؛ ومندل: وثق وفيه ضعف. وقال الذهبي في المهذب: إسناده ضعيف. وروى - يعني البيهقي - مثله من حديث عائشة وليس بالقوي» ((364) / (6)) وفي ضعيف الجامع الصغير للألباني «ضعيف» ((49) / (6)).
والحديث أخرجه أحمد عن عائشة رضي اللَّه عنها ((109) / (6)). وانظر العلل المتناهية ((769) / (2)).
(3) حديث «من صام ثلاثة أيام من كل شهر ... » رواه هكذا أبو داود الطيالسي مع بعض الاختلاف (ص (315) رقم (2393)). وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي عثمان النهدي (الدر المنثور (65) / (3)).
(4) سورة الأنعام الآية (160).