تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فثبت بهذه الوجوه الثلاثة: أن شيئا من التصورات غير مكتسب.

وأما أن شيئا من التصديقات غير مكتسب (1). فيدل عليه أيضا وجوه:

الأول: إن كل تصديق، فلا بد فيه من تصورين.

أحدهما: تصور الموضوع. والآخر: تصور المحمول (2). إذا عرفت هذا فنقول: إما أن يكون مجرد حضور هذين التصورين في الذهن، مستقلا بإيجاب أن يحكم الذهن بذلك التصديق، أو لا يكون. والأول: هو البديهيات. والثاني: هو النظريات. مثال الأول: إنا إذا تصورنا أن الواحد ما هو؟ وتصورنا أن نصف الاثنين ما هو؟ فمجرد حضور هذين التصورين في الذهن، يوجب جزم الذهن بأن الواحد نصف الاثنين. فهذا هو البديهي. ومثال الثاني إنا إذا تصورنا: أن العالم ما هو؟ وأن الحادث ما هو؟ لم يكن مجرد حضور هذين التصورين، موجبا جزم الذهن بأن العالم حادث، أو ليس بحادث.

إذا عرفت هذا فنقول: أما التصديقات البديهية، فشيء منها غير مكتسب. لأن ذينك

التصورين. إن حضرا، كانا موجبين لذلك التصديق - والإنسان لا قدرة له في تحصيل ذينك التصورين - وعند حضورهما فلا قدرة له في استلزامهما لذلك التصديق. بل إن حضرا لكان عند حضور ذلك التصديق واجبا. وإن لم يحضر إلا واحدا منهما، كان حضور ذلك التصديق ممتنعا.

فثبت: أن الإنسان لا قدرة له ألبتة على التصديقات البديهية. وأما التصديقات النظرية. فلا قدرة له أيضا على شيء منها. لأن تلك البديهيات، إن كانت مستجمعة للأمور المعتبرة في استلزام تلك النظريات، كان حصول تلك النظريات عقيب تلك البديهيات واجبا. فلم يكن للإنسان قدرة عليها. وإن لم تكن مستجمعة للأمور المعتبرة في ذلك الاستلزام، امتنع كونها مستلزمة لتلك النظريات. والممتنع لا قدرة عليه.

(1) راجع الملاحظة السابقة.

(2) الموضوع والمحمول من اصطلاحات علم المنطق. وهما يقابلان الخبر والمخبر عنه. وقد عرف ابن سينا الموضوع بأنه «هو الذي يحكم عليه بأن شيئا آخر موجود له أو بموجود له» والمحمول بأنه: هو المحكوم به أنه موجود أو ليس بموجود لشيء آخر» (النجاة (51) - (52)) وهما يقابلان الخبر والمخبر عنه عند الغزالي (معيار العلم (109) ومقاصد الفلاسفة (54)) فقولك زيد قائم: زيد - الموضوع وقائم - المحمول.

القضاء والقدر · الصفحة ١٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٠٥