قال الراوي محمود : ثم دخلنا غرناطة ، والقلب قد هد نياطه ، فوجدناها قد كتب على بابها : السلام على من اتبع الهدى ، وأجاب الندا ، أنا غرناطة فاعرفوني ، سلبت من أيدي أهلي فارحموني ، كنت مدينة العباد والزهاد والأجواد، فأصبحت ملعب الأشرار ، ومرتع الكفار ، ومسرح الفجار ، فرحم الله عبدا ترحم علي ، وأهدى ثواب حجه إلي ، فبكينا مما رأينا ، وكأنها تشكو إلينا .
ثم أتينا قرطبة ، وهي معبسة مقطبة ، فوجدنا على باباها كتابة ، كأنها كتبت بالسبابة ، فقرأنا فإذا هي تقول ، يا أهل العقول ، أنا قرطبة دار العلوم ، سلبني الظلوم ، ونهبني الغشوم ، كنت دارا للعلماء ، وكعبة للحكماء ، ومزارا للكرماء ، ومنزلا للعلماء ، واليوم أصبحت بارة للخمار ، وحانوتا للشطار ، بعد أن كنت بيت الأبرار ، وكهف الأخيار ، فوقفنا نبكي ، وإلى الله نشكي .
ونادى منادينا ، وصاح حادينا ، فقال أين القوم الفاتحون ، أين الملأ الناصحون ، أين صقر قريش ، أين قادة الجيش ، أين الناصر والزهراء ، أين الحاكم والحمراء ، أين المنذر بن سعيد ، صاحب الرأي السديد ، والنهج الرشيد .
أين ابن عبد البر ، الذي نشر العلم في البحر والبر ، ونثر الجوهر والدر ، أين الاستذكار ، من أنفع الكتب في الآثار ، أين التمهيد الذي ما حمل مثله البريد .
أين ابن حزم ، صاحب العزم ، إمام الظاهر ، صاحب العلم الباهر ، والقلب الطاهر ، صاحب القدح المعلى ، ومؤلف المجلى ، والمحلى ، الذي بلغ الإمامة ، وألف طوق الحمامة .
أين القرطبي صاحب التفسير ، أين الشاطبي الإمام الشهير ، حامل الفكر المستنير ، أين ابن زيدون ، وابن خلدون ، وابن عيذون ، وأهل الفنون ، ما لهم لا ينطقون .
أين رائعة :
أضحى التنائي بديلا من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
أين السحر الحلال ، والروعة والجمال في :
جادك الغيث إذا الغيث همى
يا زمان الوصل في الأندلس