تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من نجد خرج الأعشى يتمشى ، بعد أن تعشى ، فتوجه إلى المدينة ليعلن إسلامه ، فلقيه أبو سفيان فخاف مقامه ، وأعطاه خطامه ، ليعود لليمامة ، فعاد بجمله ، وأرخى زمامه ، وأطلق خطامه ، فأسقطه فكسر عظامه ، فباء بالخسران والندامة ، وله قصيدة فريدة ، يصف ويبعث فيها همومه المريدة ، مطلعها :

ألم تغتمض عيناك ليلة ثرمدا

وعادك ما عاد السليم المسهدا

في نجد شعر عجب ، خذ شعر امرؤ القيس إذا شرب ، والأعشى إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وزهير إذا رغب ، وابن كلثوم إذا غضب . شعر امرؤ القيس كالخمر المعتق ، تكاد القلوب منه تتشقق ، والعروق تتفتق ، والدموع تتدفق ، فإذا سمعته فترفق .

وشعر الأعشى ، كالحمى ، يتركك كالمغمى ، أو كأنك أعمى ، وهو من الغيث أهمى ، ومن النجم أسمى . وشعر النابغة سحر حلال ، لكنه يذهب عقول الرجال ، وله روعة وجمال ، وأبهة وكمال . وشعر زهير كالماء الزلال ، فيه صدق واعتدال ، وحق وجلال ، بعيد عن السخف والإملال . وشعر ابن كلثوم يسابق حسامه ، كأنه بروق تهامة ، لأن صاحبه طالب زعامة ، يريد العزة والكرامة .

لما كان الشعر في روابي نجد الخضراء ، وفي فيافيها الفيحاء ، كان آية في الحسن والنبل والبهاء . فلما دخل الشعر إلى القصور ، وسكن الدور، خرج كأنه جلد ثور، لا يطبخ في القدور ، ولا يهبط من النحور ، يحتاج البيان إلى خيمة مضروبة ، ورابية منصوبة وخضرة وخصوبة ، لترى الأمثال المضروبة ، والمعاني المرغوبة ، ولما صار القلم بجانب التلفاز ، والعقل بجوار الجهاز ، ذهب البيان والإعجاز ، وغرب الإبداع والإنجاز .

والسلام على نجد التوحيد ، ما تردد تغريد ، وعذب نشيد ، وطاب قصيد ، وعاد عيد ، ورحمة الله عليكم أهل نجد إنه حميد مجيد .

AUTO المقامة السعودية

﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ﴾

إذا بلغ الرضيع لنا فطاما

ونشرب إن وردنا الماء صفوا

مقامات القرني · الجزء ٥ · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقامات القرنيج ٥ · ص ٣٨