تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلنا يا أبناء الأجواد ، وأحفاد الأسياد، حدثونا عن هذه البلاد .

فقال عبد الرحمن : أما قرأتم التأريخ ، وما فيه من مدح وتوبيخ ، أما علمتم أن أجدادنا دخلوا الأندلس فاتحين ، مكبرين مسبحين ، عظموا الله في القلوب ، فملكهم الشعوب ، نشروا رضاه بالدماء ، فرفع رايتهم في السماء ، صدقوا في الديانة ، فشرفهم بحمل الأمانة ، نشروا العدل ، وطردوا الجهل ، فهم كالغيث على المحل ، فلما تخلف بعدهم جيل ، وضلوا السبيل ، أصبحوا في الذيل ، ثم بكى وأنشد :

هل سألت الدهر عنا يوم كنا

ونشرنا في بلاد الله نورا

كنجوم الليل للجوزا وصلنا

نقلت أخبار أهل الفضل عنا

فقام عبد الله ، فقال : يا الله ، كيف كنا ، وكيف أصبحنا ، بعدما قصرنا في ديننا ما أفلحنا ، كانت المنائر تؤذن بدعوتنا ، والمنابر تضج بخطبتنا ، كنا بالإيمان سادة ، وللشعوب قادة ، لأننا أطعنا الرحمن ، وحكمنا القرآن ، وحاربنا الشيطان ، فلما قعدنا عن الجهاد ، وعصينا رب العباد ، ووقعنا في الفساد ، صرنا ما بين طريد وشريد، وقتيل وفقيد ، ثم بكى وأنشد :

هذا جزاء أناس بالهوى غلبوا

وقصروا في أمور الدين فاستلبوا

كانوا شموسا عيون الناس ترمقهم

لكنهم بعد طول الدهر قد غربوا

ثم قام عبد السلام ، فاندفع في الكلام ، وقال : لما اتبعنا الأثر ، حكمنا البشر ، وبلغ مجدنا القمر ، وفرح بنا البدو والحضر ، فلما وقعنا في الترف ، وأدمنا السرف ، ودعنا الشرف، وصرنا كالصدف ، ثم أنشد :

يا رب هل من عودة للدين في

أرض فتحناها برسم الدين

شدنا بها صرح العلوم فأصبحت

تاجا لكل موحد مأمون

مقامات القرني · الجزء ٥ · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقامات القرنيج ٥ · ص ٧٦