فليس لي حيلة في هذه الطائفة ، التي صارت بالألفة غير خائفة ، إلا أن أشتت قلوبهم ، وأظهر لبعضهم عيوبهم ، وآخذ كل واحد على حدة ، وأعده عدة ، لأترب يده، فجاء إلى الثور الأسود والأحمر ، في ليل مقمر ، وقال يا قوم ، رأيتكم اليوم ، وأنتم في الروض ترعون ، وإلى الغدير تسعون ، فرأيت الثور الأبيض يسبقكم ، وبعين الحسد يرمقكم ، يستأثر عليكم بنبت السماء ، ويزاحمكم على الماء ، فماذا ترون ؟ أفلا تبصرون، قالوا : جزاك الله خيرا على النصيحة ، يا صاحب اللغة الفصيحة ، والكلمات المليحة ، فأمرنا بما ترى ، وقد خاب من افترى ، فقال في نفسه : وقع القوم في بلية ، وحانت منهم المنية ، ثم طلب منهم الوثوب إلى الثور الأبيض جميعا ، حتى يرى صريعا ، فقاموا على حرد قادرين ، وللموت مبادرين ، فناطحوا الأبيض وحاصروه، وصارعوه وحاجروه ، وبالعداوة كاشروه ، ثم طرحوه أرضا ، ورضوه رضا.
فلما أحس بالموت ، وأيقن بالفوت ، وفاته القوت ، قال :
هذه الحيلة من نسج الأسد
يوم يلقانا ببغي وحسد
مصرعي مصرعكم لو تعلموا
غير أن الرأي منكم قد فسد
فلما مات الأبيض سر الأسد وفرح ، وسعد وانشرح ، ثم تركهم لزمن يسير ، وهو يقودهم لسوء المصير ، ثم أتى إلى الثور الأسود ، وقال يا أبا أسعد : هذا الثور الأحمر ، أظنه مغتر ، يخفي لك الشر ، أراه بقرونه يناطحك ، وبالعداوة يصارحك ، فماذا ترى لو عاوناك ، ومن ظهره مكناك ، لنشق نحره ، ونفري ظهره ، فسحباه إلى الغدير ، وليس له من ولي ولا نصير ، فلما أصبح في آخر رمق ، وفؤاده يحترق ، أنشد :
يا عثرة الرأي هذي عثرة القدم
ويا حياتي هذي ساعة الندم
يا فرقة مزقتنا حاكها لبق
صرنا بها ضحكة للعرب والعجم