تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سادساً: أنَّ حسن الخلق أمر لازم وشرط لا بد منه للنجاة من النار والفوز بالجنان، وأن التفريط بهذا الشرط لايغني عنه حتى الصلاة والصيام، جاء في الحديث أنَّ بعض المسلمين قال لرسول الله (إنَّ فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((لاخير فيها هي من أهل النار.)) (1)

سابعاً: أنَّ النبي (كان يدعو ربه بأن يُحسن خلقه - وهو ذو الأخلاق الحسنة - وأن يهديه لأحسنها، فقد كان يقول في دعائه: ((اللهم حَسَّنْتَ خَلْقِي، فَحَسِّن خُلُقِي.)) (2) ، ويقول: ((اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فإنه لايهدي لأحسنها إلاَّ أنت واصرف عني سيئها فإنه لايصرف سيئها إلاَّ أنت.)) (3) ، ومعلوم أن رسول الله (لايدعو إلاَّ بما يحبه الله ويقربه منه.

ثامناً: مدح الله تعالى رسوله الكريم (بحسن الخلق، فقد جاء في القرءان الكريم ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (4) والله تعالى لايمدح رسوله إلاَّ بالشىء العظيم مما يدل إلى عظيم منزلة الأخلاق في الإسلام.

تاسعاً: كثرة الآيات القرءانية المتعلقة بموضوع الأخلاق..فهي تشبه أمور العقيدة من جهة عناية القرءان بها في السور المكية والمدنية على حد سواء (5) . إنَّ الإسلام دين قام على توحيد الله تعالى وإخلاص العمل لوجهه الكريم، هذا وإنَّ العبادات التي شرعها الله تعالى واعتبرت أركاناً في الإسلام ليست شعائراً مبهمة من النوع الذي يربط الانسان بالغيوب المجهولة، ويكلفه بأداء أعمالٍ غامضة، وحركاتٍ لامعنى لها، إن الفرائض التي ألزم الإسلام بها المسلمين إنما هي تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاقٍ صحيحةٍ، وأن يظل مستمسكاً بهذه الأخلاق مهما تغيرت أمامه الظروف.

.. فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها فقال: ﴿وأقِم الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ.﴾ (1) . فالابعاد عن الرذائل والتطهير من سوء القول والعمل هو حقبقة الصلاة..والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هي أولاً، غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات قال تعالى ﴿خًذْ مِنْ أموالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (2) ، وكذلك شرع الإسلام الصَّوم فلم ينظر إليه على أنه حرمان مؤقت من الأطعمة والأشربة، بل اعتبره خطوة لتعويد النفس على التخلص من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكورة، ويذكرنا القرءان بثمرة الصوم بقوله ﴿كُتِبَ عليكُمُ الصِّيامُ كما كُتُبَ على الذين من قبلِكُمْ لعلَّكُمْ تتَّقون﴾ (3) ، وقد يحسبُ الانسان أنَّ السفرَ إلى البقاع المقدَّسةِ للحجِّ أو العمرةِ رحلة مجردة من المعاني الخلقيَّةِ، وهذا خطأٌ لأنَّ الله تعالى قال ﴿الحجُّ أشهُرٌ معلوماتٌ، فَمَنْ فَرَضَ فيهِنَّ الحجَّ فَلا رَفَثَ، وَلا فُسُوقَ، ولاجِدالَ في الحَجِّ وما تفعلوا من خيرٍ يعلمهُ اللهُ، وتزودوا فإنَّ خيرَ الزادِ التَّقْوَى واتَّقُونِ يآأولي الأَلْبَاب﴾ (4) .

... بهذا العرض المُجمَلِ لبعض العبادات التي اشتهر بها الإسلام وعُرِفت على أنها أركانه الأصلية نستبين منه متانة الأوامر التي تربط الدين بالخُلُقِ إنها عبادات مُتباينة في مظهرها، ولكنها تلتقي عند الغاية التي رسمها الرسول (في قوله: ((إنَّما بُعِثتُ لأُتممَ مكارمَ الأخلاق)) (5) ، فالصلاة والصيام والزكاة والحجّ، وما أشبه هذه الطاعات من تعاليم الإسلام هي المدارج للكمال المنشود، فإذا لم يستفد المرء منها مايزكي قلبه وينقي لُبَّه، ويهذب صلته باللهِ وبالناسٍ، فقد هوى (6) .

ولقد أوصى القرءانُ الكريم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بجملةٍ مِنَ الآداب بمثل قولهِ تعالى: ﴿خُذْ بِالعَفْوِ وَأْمُر بالعُرفِ وأعرِض عن الجاهلينَ﴾ (1) ، وقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بالعَدْلِ وَالإحْسَانِ وإيتاءِ ذي القُرْبَى وَيَنْهَى عَن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ والبَغْي﴾ (2) ، وقوله: ﴿واصبر على ما أصابَكَ إنَّ ذلك مِن عزمِ الأمور﴾ (3) ، وقوله: ﴿وَلِمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمور﴾ (4) ، وقوله: ﴿فاعف عنهم واصفح إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسنين﴾ (5) ، وقوله: ﴿وَليعفوا وليصفحوا ألا تُحبُّونَ أنْ يُغفر لكم﴾ (6) ، وقوله: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذَا الذي بينَكَ وبينَهُ عَداوةٌ كأنَّهُ وَلِيٌّ حَميم﴾ (7) ، وقولهُ: ﴿والكاظمينَ الغَيظَ والعافينَ عنِ النَّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسنين﴾ (8) ، وقولهُ: ﴿اجتنبوا كثيراً مِنَ الظنّ إنَّ بعض الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجسسوا ولا يَغْتَبْ بَعضُكُم بعضاً﴾ (9) ، وقوله: ﴿والعصر إنَّ الإنسانَ لَفي خُسْر إلاَّ الَّذينَ آمنوا وتواصوا بالحقِّ وتواصوا بالصَّبْر﴾ (10) ، إنَّ أمثال هذهِ التَّوجيهات في القرءان الكريم والتي تدعوا إلى مكارم الأخلاق كثيرة، ولقد عَمِلَ بها رسولُ اللَّهِ (حتَّى وصفت عائشةُ أم المؤمنين رضي اللَّهُ عنها خُلُق رسول اللَّهِ (فقالت: ((كانَ خُلُقُهُ القرءان)) (11) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩٤٨