الحقيقة والمجاز:
الحقيقة: ((اللفظ الدالّ على معنى بالوضع الذي وقع فيه ذلك التخاطب)) (9) .
والمجاز: ((اسم لما أُريد به غير ما وُضع له لمناسبة بينهما كتسمية الشجاع: أسدا)) (10)
وبين العلماء خلاف مشهور في وقوع المجاز في القرآن الكريم، بل وفي اللغة العربية، ومن نفاه يعتبر ما يُسمى مجازا - من الاستعارة والحذف والتعبير عن الكل بالجزء وغير ذلك - أسلوبا من أساليب اللغة، وذلك صيانة لكتاب الله تعالى من القول بجواز نفي ما أثبت، كنفي كثير من الصفات الثابتة لله جلّ وعلا في القرآن العظيم (11) .
على أن من أجرى المجاز من المحققين قصَره على النصّ، وذلك بالرجوع إلى أهل اللغة المعتبرين، إذ إن المجازات واردة على خلاف الأصل الذي هو الحقيقة (12) .
وقد حاول الزمخشري (ت538هـ) أن يفرق بين الحقيقة والمجاز في الركوع والسجود، فقال رحمه الله: ((ومن المجاز لغبت (1) الأبل حتى ركعت، وهن رواكع إذا طأطت رءوسها وكبت على وجوهها … وركع الرجل انحطت حاله وافتقر (2)) ) وقال في مادة (سجد) : ((ومن المجاز شجر ساجد وسواجد وشجرة ساجدة: مائلة، والسفينة تسجد للرياح: تطيعها وتميل بميلها … وفلان ساجد المنخر إذا كان ذليلا خاضعا، وعين ساجدة: فاترة، وأسجَدت عينَها: غضَّتها … وسجد البعير وأسجد طأ من رأسه لراكبه (3)) ) ، واعتبار ماسبق من المجاز غير الدقيق، حيث اعتبرته أكثر المصادر الأخرى حقيقة (4) ، ولأنه كله يدل على الخضوع والانحناء، ((وإذا دار اللفظ بين احتمال المجاز واحتمال الحقيقة فاحتمال الحقيقة أرجح (5)) ) .
وقد استعمل الركوع والسجود في أساليب متعددة أصولها راجعة إلى ما أشرت إليه في المعاني اللغوية والشرعية، وهي:
أنه يقال للمصلي: راكع، ويقال له أيضا ساجد (6) .
ويقال للساجد راكع، وللراكع ساجد (7) .
وهذه الأساليب جميعها قد استعملت في القرآن الكريم على خلاف بين المفسرين في تأويلها، وللسياق والقرائن والدلائل اعتباراتها في ذلك، وإن كان أكثر هذا الاختلاف من قبيل التنوع لا التضاد.
دراسة الآيات:
وقعت ألفاظ الركوع والسجود في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعا، وتنتظم موضوعاتها فيما يلي:
أولا سجود المخلوقات جميعها لله رب العالمين.
ثانيا- سجود الملائكة.
ثالثا- سجود النبيين عليهم الصلاة والسلام.
رابعا- الرُّكع السجود في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام.
خامسا- سجود أبوي يوسف وإخوته له.
سادسا- سجود السحرة من بني إسرائيل.
سابعا- أمر بني إسرائيل بأن يدخلوا القرية سجدا.
ثامنا- ذكر ركوع نبي الله داود عليه السلام.
تاسعا- سجود الصديقة مريم وركوعها.
عاشرا- سجود مؤمني أهل الكتاب.
حادي عشر- سجود الرسول محمد (وأمته وركوعهم.
ثاني عشر- سجود الكفار وركوعهم.
ثالث عشر- أمر اليهود بالركوع.
أولا - سجود المخلوقات جميعها لله رب العالمين:
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الرعد/15) .
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل/48،49) .
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج/18) .