تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جَرَى الخُلْفُ إِلاَّ فيكَ أَنَّكَ وَاحِدٌ وأَنَّكَ لَيْثٌ، والمُلُوكُ ذِئَابُ (3)

إذ أعرب المصدر المؤوَّل من (أنَّكَ واحدٌ) بدلاً من (الكاف) في (فيك) وقال: “ إنَّما منع سيبويه في هذا بدل الجملة من الجملة؛ أعني: الكلَّ من الكلِّ الَّذي هو هو، فأمَّا بدل الجزء من الكلِّ، فغير ممتنع؛ كقولك: أعجبْتَني وجهُك، وعجبت منك صبرِك “ (4) ، وهذا الَّذي نصَّ عليه هو المشهور من أقوال العلماء (5)) ، بل قد حكى ابن يعيش الإجماع على جوازه في بدل الاشتمال (6) ، أمَّا الأخفش (7) والكوفيون (8) فقد جوَّزوا الإبدال من ضميري المتكلِّم والمخاطب مطلقًا؛ أي: في بدل كلٍّ من كلٍّ، وبدل بعضٍ من كلٍّ؛ فصحَّ على مذهبهم: رأيتك زيدًا، على أنَّ (زيدًا) بدل من (الكاف) ورأيتني عمرًا، على أنَّ (عمرًا) بدل من (الياء) ، ورأي الجمهور هو الرَّاجح في المسألة " لأنَّ الغرض من البدل البيان، وضميري المخاطب والمتكلِّم في غاية الوضوح، فلم يحتج إلى بيان " (9)

من باب التَّرخيم

مسألة: ترخيم المضاف

التَّرخيم هو: " حذف أواخر الأسماء الأعلام المفردة، ولا يكون إلاَّ في النِّداء ... ولا يُرخَّم إلاَّ ما استحقَّ البناء على الضَّمِّ مِمَّا عدد حروفه أكثر من ثلاثة أحرف " (1) ، وواضحٌ من تعريفه أنَّه لا يكون إلاَّ في النِّداء، ولا يدخل الأسماء المضافة، وهذا هو رأي البصريين (2) ، أمَّا الكوفيون فلم يمنعوا ترخيم المضاف بحذف آخر المضاف إليه (3) ، وابن سِيْدَه لمَّا كان آخذًا برأي البصريين عدَّ ترخيم (عمرو حابِ) في قول المتنبِّي:

مَهْلاً أَلا لِلَّهِ ما صَنَعَ القَنَا في عَمْرِو حَابِ وَضَبَّةَ الأَغتَامِ (4)

ضرورة (5) ؛ لأنَّه قدَّره ب (عمرو بن حابس) ؛ أي إنَّه مضاف قد رُخِّم في غير نداء؛ أي فقدَ شرطي قياسيَّة التَّرخيم.

أمَّا رأي الكوفيين فيضعِّفه أنَّ التَّرخيم إمَّا أن يكون في المضاف، أو في المضاف إليه، وترخيم المضاف يقتضي حذف أوسط الكلمة؛ لأنَّ المضافَ إليه تتمته، وترخيم المضاف إليه لا يستقيم؛ لأنَّه ليس بمنادى (6) .

من باب أسماء الأفعال

مسألة: عمل (بَلْهَ)

ولها عملان؛ النَّصب: وذلك إذا عُدَّت اسم فعلٍ بمعنى: دعْ واتركْ، فإنَّ ما بعدها يكون منصوبًا بها، والجرُّ: وذلك إن عُدَّت مصدرًا مضافًا إلى ما بعده، فيكون ما بعدها مجرورًا على أنَّه مضافٌ إليه (7) ، وقد صرَّح ابن سِيْدَه بعمليها هذين عند شرحه لقول المتنبِّي:

أَقَلُّ فَعَالِي بَلْهَ أَكثَرَهُ مَجدُ وذَا الجِدُّ فِيهِ نِلتُ أم لم أَنَلْ جَدُّ (8)

فقال: " (بَلْهَ) يُنصب بها ويُجر، النَّصب على أنَّه اسمٌ للفعل ك (رويد) ، والجرُّ على أنَّه مصدر، وإن لم يكن له فعل، فقد وجدنا مصدرًا دون فعل ك (ويل) وأخواتها " (9) .

من باب ما لا ينصرف

مسألة: منع الاسم الأعجمي من الصَّرف

وقد نصَّ على هذا لمَّا شرح قول المتنبِّي:

وَكَأَنَّما عِيسَى بنُ مَريَمَ ذِكرُهُ وكَأَنَّ عَازَرَ شَخْصُهُ المقْبُورُ (1)

فقال: " وترك صرف (عازرَ) لأنَّه أعجمي " (2) ، ويعني بترك الصَّرف عدم التَّنوين؛ لأنَّ الاسم هنا مستحقٌّ له، ولكنَّه لم يُنوَّن للعلميَّة والعُجمة، وهذا هو رأي الجمهور فيه (3) .

وبهذه المسألة أكون قد أتيت على المسائل النَّحويَّة الَّتي صرَّح ابن سِيْدَه برأيه فيها خلال شرحه لمشكل شعر المتنبِّي، والَّتي أكَّدت على أنَّ الرَّجل لم يكن في النَّحو بأقلَّ ممَّا هو عليه في اللُّغة، وقد صدق حين أشاد بنفسه ذاكرًا اهتماماته الأدبيَّة والفلسفيَّة واللُّغويَّة والمنطقيَّة قائلاً: " إنِّي أجد علمَ اللُّغة أقلَّ بضائعي، وأيسر صنائعي إذا أضفته لما أنا به من علم حقيق النَّحو، وحوشي العروض، وخفي القافية، وتصوير الأشكال المنطقيَّة، والنَّظر في سائر العلوم الجدليَّة " (4) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٨١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٨١٦