المسألة الثَّالثة: حذف الموصوف وإقامة الصِّفة مقامه
وقد ذكر هذا الحكم مرَّتين؛ إحداهما بالتَّصريح، والأخرى بالتَّلميح، فأمَّا المرَّة الَّتي صرَّح فيها بالحكم فهي عند شرحه لقول المتنبِّي:
بَلَى يَرُوعُ بِذِي جَيشٍ يُجَدِّلُهُ ذَا مِثلِهِ في أَحَمِّ النَّقْعِ غِربِيبِ (8)
حيث قال: " قوله: ذا مثله، أقام فيه الصِّفة مقام الموصوف؛ أي: ذا جيشٍ مثله، وحسُن حذف الموصوف هنا وإقامة الصِّفة مقامه لأمرين؛ أحدهما: أنَّ (مثل) مضافة، فشاكلت بذلك الأسماء؛ لأنَّ الإضافة إنَّما هي للاسم، والآخر: أنَّ لفظ الموصوف المحذوف وهو الجيش قد تقدَّم مُظهرًا في قوله: بلى يروع بذي جيشٍ يُجدِّله " (1) .
وأمَّا المرَّة الأخرى الَّتي لمَّح فيها بالحكم فهي عند شرحه لقول المتنبِّي:
لاَ تَلقَ أَفرَسَ مِنْكَ تَعرِفُهُ إِلاَّ إِذا ضَاقَتْ بِكَ الحِيَلُ (2)
حيث قال: " قوله: (أفرسَ منك) صفة موضوعة موضع الاسم؛ أي: رجلا أفرسَ منك وحسن وضع الصِّفة هنا موضع الاسم؛ لأنَّها قد تقوَّت بقوله (منك) " (3) . وحَذْفُ الموصوف وإقامة الصِّفة مقامه من الأمور المتفق عليها عند جمهور النُّحاة (4) .
من باب عطف النَّسق
مسألة: طريقة العطف على ضمير الرَّفع المتصل
وطريقته تكون إمَّا بتأكيده بضمير رفعٍ منفصل؛ نحو: جئتُ أنا وزيدٌ، وإمَّا بالفصل بينهما [أي: بين المتعاطفين] بأيِّ فاصلٍ؛ نحو قول الله تعالى:
(لَوْ شَاءَ الله ُمَا أشْرَكْنَا وَلا آباؤنَا ( [الأنعام 148]
ولذا عندما قال المتنبِّي:
يُبَاعِدْنَ حِبًّا يَجْتَمِعْنَ ووَصْلُهُ فَكَيفَ بِحِبٍّ يَجتَمِعْنَ وَصَدُّهُ (5)
بعطفِ (وصلُه) و (وصدُّه) على ضمير الرَّفع المتصل في (يجتمعْن) من دون توكيده، أو فصله عن المعطوف بأيِّ فاصلٍ، عدَّ ابن سِيْدَه هذا العطف ضرورة، كالضَّرورة الَّتي ارتكبها عمر بن أبي ربيعة حين قال:
قُلتُ إذْ أقبَلَتْ وزُهرٌ تَهَادَى كَنِعَاجِ المَلا تَعسَّفنَ رَملا (6)
حيث عطف (زُهر) على ضمير الرَّفع المستتر في (أقبلتْ) من دون توكيده، أو فصله، وقال: " ولو أسعده الوزن بتأكيد الضَّمير؛ فقال: هي، لكان الرَّفع لا ضرورة فيه " (1) ، وهو بهذا يوافق رأي البصريين (2) ، أمَّا الكوفيون فقد جوَّزوا (3) العطف على الضَّمير المرفوع المتصل دون فصلٍ في اختيار الكلام، واحتجُّوا ببيت عمر بن أبي ربيعة السَّابق، ووافقهم ابن مالك؛ حيث قال بعد أن ذكر البيت: " رفع زهرًا عطفًا على الضَّمير المستكن في (أقبلتْ) مع التَّمكُّن من جعله مفعولاً معه " (4) ، كما احتجَّ بما حكاه سيبويه من قول بعضهم: " مررت برجلٍ سواءٍ والعدمُ " (5) ؛ حيث عطف (العدمُ) دون فصلٍ، ودون ضرورة على ضمير الرَّفع المستتر في (سواء) ، وبقول علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) : كنت أسمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: “ كنتُ وأبوبكرٍ وعمرُ، وفعلتُ وأبو بكرٍ وعمرُ، وانطلقتُ وأبو بكرٍ وعمرُ " (6) .
وهذه الشَّواهد وإن كانت تعزِّز قول الكوفيين، وابنَ مالك إلاَّ أنَّه ينبغي الحكم بقلَّة ما ورد منها، وعدم القياس عليها.
من باب البدل
مسألة: حكم إبدال الاسم الظَّاهر من ضميري المتكلِّم والمخاطب
وقد نصَّ على منعه بقوله: " المخاطب لا يُبدل منه البتَّة “ (7) ، وعلَّل سبب المنع بقوله: “ لأنَّ المخاطب والمخْبِر عن نفسه قد أمِن التباسهما، فقد أغنى ذلك عن الإبدال منهما؛ إذ البدل إنَّما هو للبيان “ (8) ، ولذا أعرب كلمة (هباتُك) في قول المتنبِّي:
وَأَنَّكَ لا تَجُودُ على جَوَادٍ هِبَاتُكَ أَنْ يُلَقَّبَ بِالجَوادِ (9)
أعربها: فاعلاً للفعل (تجود) وقال: “ ولا تكون التَّاء في (تجود) للمخاطبة، وتكون (هباتُك) بدلاً من الضَّمير الَّذي في (تجود) “ (1) ، وهو في هذا يوافق سيبويه، ويأخذ برأيه (2) ؛ إذ كما رفض الَّذي رفضه سيبويه من إبدال الظَّاهر من ضمير المخاطب في بدل كلٍّ من كلٍّ، قَبِلَهُ في بدل الجزء من كلٍّ؛ وصرَّح بذلك أثناء شرحه لقول المتنبِّي: