تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسألة الثَّانية: صياغة (أفعل) من الفعل الثُّلاثي

وهذا هو أهمُّ شرطٍ في الشُّروط الَّتي يجب توافرها في الفعل الَّذي يُصاغ منه (أفعل) التَّفضيل (4) ، وابن سِيْدَه ذكره مرَّتين، ولكنَّه في كلتا المرَّتين لم ينصَّ عليه كشرطٍ من شروط صياغة (أفعل) التَّفضيل، وإنَّما كان " يعتذر " للمتنبِّي عن صياغته (أفعل) من غير الثُّلاثي؛ حيث قال عند شرحه لقول المتنبِّي:

إِبْعَدْ بَعِدتَ بَيَاضًا لا بَيَاضَ لَهُ لأَنْتَ أَسوَدُ في عَينِي مِنَ الظُّلَمِ (5)

“ أمَّا قوله: أسود في عيني من الظُّلم، فخطَّأه فيه قوم، قالوا: إنَّ فِعْلَ هذا على أكثر من ثلاثة أحرف، وهو (اسودَّ) فلا تقع المفاضلة إلاَّ بأشدَّ وأبين وغيرهما من الأفعال الثُّلاثية الَّتي تُصاغ؛ ليوصل بها إلى التَّعجُّب من الأفعال الَّتي على أكثر من ثلاثة، وهذا منهم غلط؛ ليست (أفعل) هنا للمفاضلة، ولا (مِنْ) متعلَّق بأسود على حدِّ تعلُّق (مِنْ) ب (أفضل) في قولك: زيدٌ أفضل من عمرو، وإنَّما هو كقولك: لأنت أسود معدودٍ من الظُّلم في عيني، ف (مِنْ) غير متعلِّقة بأسود كتعلُّق (مِنْ) ب (أفعل) الَّتي للمفاضلة، وإنَّما هي في موضع رفعٍ حالَّةً محلَّ الظَّرف بمنزلتها في قول الأعشى:

فلستَ بالأكثرِ منهمْ حصى وإنَّما العِزَّةُ للكاثر

ولا يجوز أن تكون (مِنْ) متعلِّقة ب (الأكثر) ؛ لأنَّ اللاَّم تعاقب (مِنْ) وإنَّما هي هنا بمنزلة الظَّرف “ (1) .

وكما اعتذر للمتنبِّي من هؤلاء القوم، اعتذر له من ابن جنِّي الَّذي أخذ عليه قوله:

وأَغرَبُ منْ عَنْقَاءَ في الطَّيرِ شَكْلُهُ وأَعْوَزُ منْ مُسْتَرفِدٍ منهُ يُحرَمُ (2)

حيث صاغ أفعل التَّفضيل (أعوزُ) من الفعل غير الثُُّلاثي (أعوزَ) (3) ، فقال ابن سِيْدَه: “ قال: أعوزُ، وإنَّما هو أشدُّ إعوازًا؛ لأنَّه جاء به على حذف الزَّائد، هذا قول أبي الفتح، وليس على حذف الزَّائد كما قال؛ لأنَّه يُقال: عازَه الأمر وأعوزَه، ف (أعوزُ) في بيت المتنبِّي على (عازَ) لا على (أعوزَ) وإنَّما يُتوهم حذف الزَّائد إذا لم يوجد عنه مندوحة؛ كقولهم: ما أعطاه للدِّرهم، وآتاه للجميل، وأولاه للمعروف، فإنَّ هذا كلَّه على حذف الزَّائد " (4) .

من باب النَّعت

المسألة الأولى: اشتراط كون الصِّفة مشتقَّة

فإذا جاءت جامدة أُوِّلت بالمشتق (5) ؛ وهذا ما فعله ابن سِيْدَه في (قُطْن) من قول المتنبِّي:

رَمَانِي خِسَاسُ النَّاسِ مِنْ صَائِبِ استِهِ وآخَرُ قُطْنٌ منْ يَدَيهِ الجَنَادِلُ (1)

حيث إنَّه عندما أراد أن يعربها صفةً ل (آخرُ) ، و (قُطْنٌ) اسم ذاتٍ جامد، وهو ما عبَّر عنه ب (الجوهر) أوَّله ب (ليِّن) ليصحَّ النعتُ به (2) ، وقاسه على ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: مررت بسرجٍ خزٍّ صفته، أي: ليِّن، وقولهم: مررت بقاعٍ عرفجٍ كلِّه، أي: خشن (3) ، وإنَّما لزم أن تكون الصِّفة بالمشتق، أو الجاري مجراه؛ لأنَّ الغرض من الوصف هو الفرق بين مشتركين في الاسم، " والفرق إنَّما يحصل بأمرٍ عارض يوجد في أحد الشَّيئين أو الأشياء دون باقيها، وهذا إنَّما يكون في المشتقات " (4) .

المسألة الثَّانية: الصِّفة والموصوف كالشَّيء الواحد

وقد نصَّ على هذا الحكم لهما عندما فصلت (الواو) بينهما في قول المتنبِّي:

إذَا تَرَحَّلتَ عَنْ قَومٍ وقَد قَدَرُوا أَن لا تُفَارِقَهُم فَالرَّاحِلونَ هُمُ (5)

فإنَّ جملة (قد قدروا) حقُّها أن تُعرب صفةً للاسم النَّكرة (قوم) ، ولكنَّ ابن سِيْدَه أعربها حالاً كما مرَّ وقال: “ ولولا هذه (الواو) لكان أولى من ذلك أن تكون الجملة في موضع الصِّفة للنَّكرة، فأمَّا مع (الواو) فلا تكون صفة؛ لأنَّ الصِّفة والموصوف كالشَّيء الواحد، فإذا عطفتَ الصِّفة على الموصوف، فكأنَّك عطفت بعض الاسم على بعض، وهذا ما لا يسوغ، وأمَّا الحال فمنفصلة من ذي الحال فجاز الفصل بينهما لذلك " (6) ، وقد نصَّ على هذا الأمر أيضًا الفرَّاء، وابن عصفور، وابن أبي الرَّبيع (7) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٨١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٨١٤