تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسألة الرَّابعة: حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه

وقد أشار إلى هذا في أكثر من موضع (4) ؛ فمثلاً عند شرحه لقول المتنبِّي:

ولَكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحَيَاةِ وكَيدُ العُدَاةِ ومَيْطُ الأَذَى (5)

قدَّر: كيدُ العداة، وميطُ الأذى؛ ب: سببُ كيدِ العداةِ، وسببُ ميطِ الأذى، وقال: " فحذفَ المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه " (6) ، وكذلك عند شرحه لقول المتنبِّي:

إٍذَا امْتَلأَتْ عُيُوْنُ الْخَيْلِ مِنِّي فَوَيْلٌ لِلتَّيَقُظِ وَالْمَنَامِ (7)

نصَّ على أنَّ المتنبِّي أراد: إذا امتلأت عيون فرسان الخيل، فحذف المضاف (8) . وحذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه كثُر في كلامهم كثرةً دعت ابنَ جنِّي لأن يقول: " حذف المضاف في الشِّعر، وفصيح الكلام في عدد الرَّمل سعةً " (9) .

من باب إعمال المصدر

مسألة: إضافة المصدر إلى معموله

والمقصود بمعموله: إمَّا فاعله وإمَّا مفعوله، وقد مرَّت بابن سِيْدَه الصورتان في شعر المتنبِّي؛ فمن إضافة المصدر إلى فاعله قوله:

بِحُبِّ قَاتِلَتِي والشَّيبِ تَغْذِيَتِي هَوايَ طِفلاً وشَيْبِي بَالِغَ الحُلُمِ (10)

حيث توقَّف عند قوله (تغذيتي) وقال: " الياء في (تغذيتي) تكون في موضع الفاعل، فيكون المفعول حينئذٍ محذوفًا؛ أي: تغذيتي نفسي، كما تقول: عجبت من ضرب زيدٍ عمرًا " (1) ، وكما أُضيف المصدر هنا إلى فاعله، وحُذف مفعوله، أُضيف في بيت المتنبِّي التَّالي إلى مفعوله، وحُذف فاعله؛ يقول:

مَلامُ النَّوَى في ظُلمِهَا غَايَةُ الظُّلْمِ لَعَلَّ بِهَا مِثْلَ الَّذي بِي مِنَ السُّقْمِ (2)

فقوله: ملامُ النَّوى، قدَّره ابن سِيْدَه ب: ملامي للنَّوى (3) ، وكذلك (فراقَ القوسِ) في قول المتنبِّي:

يُفَارِقُ سَهمُكَ الرَّجُلَ المُلاقِي فِرَاقَ القَوسِ ما لاقَى الرِّجَالا (4)

قدَّره ب: فراقَه القوسَ (5) ، ونصَّ في الموضعين على أنَّ المتنبِّي أضاف المصدر إلى مفعوله قياسًا على قول الله تعالى:

(لايَسْأمُ الإنسَانُ مِنْ دُعَاءِ الخَيرِ ( [فُصِّلت 49]

لأنَّ تأويلها عند النُّحاة: من دعائه الخيرَ (6) ، والله تعالى أعلم.

من باب إعمال اسم الفاعل

مسألة: شرط (الاعتماد) لإعمال اسم الفاعل

وقد نصَّ على هذا الشَّرط عند شرحه لقول المتنبِّي:

لاَ نَعذُلُ المَرَضَ الَّذي بِكَ شَائِقٌ أَنتَ الرِّجَالَ وشَائِقٌ عِلاَّتِهَا (7)

فقال: " (شائقٌ) خبر مبتدأ مقدَّمٌ و (أنت) مبتدأ؛ أي: أنت شائقٌ الرِّجالَ وعلَلَها، ولا يجوز أن يكون (شائقٌ) مبتدأ و (أنت) فاعل ب (شائق) لأنَّ اسم الفاعل إنَّما يعمل عمل الفعل إذا كان [معتمدًا] (8) على شيءٍ قد عمل في الاسم قبله؛ أعني: كأن يكون خبرًا لمبتدأ، أو فاعلاً لفعل، أو صفة لموصوف، أو حالاً لذي حال، ونحو ذلك " (9) . وهو باشتراطه (الاعتماد) لإعمال اسم الفاعل يوافق رأي الجمهور (10) .

من باب (أفعل) التَّفضيل

المسألة الأولى: حذف (مِنْ) الجارة للمفضَّل عليه

وهذا الحكم مختصٌّ به (أفعل) المجرَّد من (ال) والإضافة، فهو الَّذي تلحقه (مِنْ) جارةً للمفضَّل عليه، ولكنَّها قد تُحذف كما حُذفت في قول المتنبِّي:

أُغَالِبُ فِيكَ الشَّوقَ والشَّوقُ أَغلَبُ

وأَعجَبُ مِنْ ذَا الهَجرِ والوَصْلُ أَعجَبُ (1)

فقدَّرها ابن سِيْدَه ب: والشَّوقُ أغلبُ منِّي له، وقال: ” حَذفَ للعلم بما يعني؛ كقولنا: (الله أكبر) ، أي: من كلِّ شيء فحذف " (2) ، ثُمَّ استشهد بما استشهد به سيبويه في المسألة، وهو قول سُحيم بن وَثيل:

مَرَرتُ على وادِي السِّباعِ ولا أرَى كَوَادِي السِّباعِ حِينَ يُظْلِمُ وَادِيَا

أَقَلَّ بِهِ رَكْبٌ أَتَوْهُ تَئِيَّةً وأَخْوَفَ إلاَّ مَا وَقَى اللهُ سَارِيَا

يقول سيبويه: " أراد: أقلَّ به الرَّكبُ تئِيَّةً منهم به، ولكنَّه حذف ذلك استخفافًا؛ كما تقول: أنت أفضلُ، ولا تقول: مِن أحد، وكما تقول: الله أكبرُ، ومعناه: الله أكبرُ مِن كلِّ شيء “ (3) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٨١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٨١٣