تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمَّا الصُّورة الأخرى للتَّنازع؛ وهي الَّتي يتفق فيها مطلبُ العاملين، فقد جاءت في قول المتنبِّي:

طَوَى الجَزِيرَةَ حتَّى جَاءَنِي خَبَرٌ فَزِعتُ فيهِ بِآمَالِي إلى الكَذِبِ (2)

فالفعلان (طوى، وجاء) متنازعان على كلمة (خَبَرٌ) ، وكلُُّ واحدٍ منهما يطلبه فاعلاً له، ويصرِّح ابن سِيْدَه بأنَّه آخذٌ برأي البصريين؛ فيقول: " و (خَبَرٌ) مرفوع على مذهب البصريين ب (جاءني) ؛ لأنَّهم إنَّما يُعملون أقربَ الفعلين، ولابدَّ على هذا من إضمار الفاعل في (طوى) على شريطة التَّفسير، وإن كان إضمارًا قبل الذِّكر ... وأمَّا على مذهب الكوفيين، فيرفع (خَبَرٌ) على أنَّه فاعلٌ ب (طوى) ؛ لأنَّهم يُعملون أسبقَ الفعلين، فلا بدَّ على هذا من الإضمار في (جاءني) ؛ أي: طوى الجزيرةَ خبرٌ حتَّى جاءني، والقول الأوَّل عندي أحسن في هذا البيت؛ لأنَّ النَّكرة الَّتي هي (خَبَرٌ) على ذلك القول موصوفة بالجملة الَّتي هي (فزعت فيه بآمالي) إلاَّ أنَّ فيه ما قد أريتك من الإضمار في الأوَّل على شريطة التَّفسير، وعلى هذا القول الثَّاني ليس للنَّكرة وصف " (3) .

من باب المفعول فيه

المسألة الأولى: العامل في الظَّرف

وقد أشار إليه عَرَضًا أثناء توضيحه لِمَا أراده المتنبِّي من كلمة (الفتى) في قوله:

ولا فَضلَ فِيهَا لِلشَّجَاعةِ والنَّدَى وصَبرِ الفَتَى لَولا لِقَاءُ شَعُوبِ (1)

فقد نصَّ ابن سِيْدَه على أنَّه أراد بها الجَلِد الصَّابر، ولم يَعنِ بها ذا السِّنِّ، وحتَّى يؤكِّد ذلك المعنى جاء ببيتٍ لمالك بن خالد الخناعي الهذلي، وهو قوله:

فتًى مَا ابنُ الأغَرِّ إذا شَتَوْنَا وحُبَّ الزادُ في شَهرَي قُمَاحِ (2)

وقال: “ كنَّى بالفتوة عن الكرم؛ كأنَّه قال: ابن الأغرِّ كريم، ولولا ذلك لم يعمل (فتى) في (إذا) ؛ لأنَّ الظُّروف لا تعمل فيها [إلاَّ] (3) الأفعال، أو ما هو في طريقها، وإذا قلت: زيدٌ فتى، تعني به السِّن، فليس فيه معنى الفعل “ (4) ، وواضحٌ من قوله أنَّه يرى أنَّ الظُّروف لا يعمل فيها إلاَّ الفعل، أو ما هو في قوَّة الفعل، وهذا هو رأي الجمهور (5) .

المسألة الثَّانية: إعراب كلمة (بدل) ظرف مكان

وقد أعربها هذا الإعراب عند شرحه لقول المتنبِّي:

عَذِيرِي مِنْ عَذَارَى مِنْ أُمُورٍ سَكَنَّ جَوَانِحِي بَدَلَ الخُدُورِ (6)

فأعرب (بدل) ظرف مكان؛ لأنَّها بمعنى: مكان الخدور (7) ، وقاسه على ما حكاه سيبويه من قولهم: إنَّ بدلك زيدًا، أي: إنَّ مكانك (8) ، وعلى قولِهم للرَّجل: اذهب معك بفلان، فيقول: معي رجلٌ بدلَ فلان؛ أي: يغني غَناءه، ويكون في مكانه (9) .

من باب المفعول معه

مسألة: الحالة الَّتي يترجَّح فيها نصب الاسم على رفعه

وهي الَّتي يكون المعطوف عليه ضميرَ رفعٍ متصل، لم يُفصل بينه وبين الاسم المقترن بالواو بأيِّ فاصل؛ فإنَّه في هذه الحالة يترجَّح نصب الاسم الواقع بعد الواو على رفعه؛ ولذا عدَّ ابن سِيْدَه رفعَ (وصلُه) و (صدُّه) في قول المتنبِّي:

يُبَاعِدْنَ حِبًّا يَجتَمِعْنَ وَوصْلُهُ فَكَيْفَ بِحِبٍّ يَجتَمِعْنَ وَصَدُّهُ (10)

عدَّه ضرورة، وقال: " ولو كان الرَّوي منصوبًا لكان (وصدَّه) هو الأجود على المفعول معه " (1) ، وترجيح نصب الاسم على رفعه وهو في هذه الحالة هو قول الجمهور (2) .

من باب الحال

المسألة الأولى: حكم الاسم الجامد إن وقع حالاً

وحكمه أن يؤوَّل بمشتقٍّ (3) ؛ ولذا أوَّل (4) ابن سِيْدَه كلمة (تمائمًا) بعد أن أعربها حالاً ب (حوارس) ، وذلك عند شرحه لقول المتنبِّي:

نُظِمَتْ مَواهِبُهُ عَليهِ تمَائِمًا فَاعتَادَهَا فَإذَا سَقَطْنَ تَفَزَّعَا (5)

وقاس تأويلها بمشتقٍّ في البيت على تأويلها في قول الله تعالى:

(هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آية ( [الأعراف 73]

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٨٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٨٠٩