تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي: وبأنْ تقولوا، ومثل ذلك كثيرٌ في الكتاب العزيز، وغيره (6) “ وإنَّما استحسنوا حذف الباء مع (أنْ) لطول (أنْ) بصلتها الَّتي هي جملة “ (7) ، أمَّا الخلاف الَّذي وقع بين النُّحاة في المسألة فكان حول المحلِّ الإعرابي للمصدر المُؤوَّل من (أنْ) والفعل بعد حذف حرف الجرِّ؛ فالجمهور عدا سيبويه يرونه في محلِّ نصب (8) ، وبرأيهم أخذ ابن سِيْدَه كما هو واضحٌ من قوله (نصب) ، أمَّا سيبويه (9) فقد جوَّز الوجهين؛ النَّصب والجرَّ، ووافقه ابن هشام (10) .

المسألة الرَّابعة: الأفعال الَّتي تتعدَّى بنفسها تارةً، وبواسطة حرف جرٍّ يجوز حذفه تارةً أخرى

وذكر منها الفعل (ركض) ؛ وذلك أثناء شرحه لقول المتنبِّي:

فَبعَدَه وإلى ذَا اليَومِ لَو رَكَضَتْ بِالخيلِ في لَهَوَاتِ الطِّفلِ ما سَعَلا (11)

فقد قال: " وقوله (ركضتْ بالخيلِ) إنَّما وجهه: لو ركضتْ الخيلَ، يقال: ركضتُ الدَّابةََ، ولا يقال: ركضتُ بها، هذا هو المعروف في اللُّغة، لكن قد يجوز أن يكون (ركضتُ بالدَّابة) لغة، فيكون من باب " طوَّحتُه " و " طوَّحتُ به " (1) ؛ أي من تلك الأفعال الَّتي سُمع فيها الوجهان: التَّعدِّي بنفسها، والتَّعدِّي بحرف الجرِّ، وأشهرها الفعل: نصح، وشكر، وكال، ووزن، وركب، وجاء، ورجع، وطمس (2) ، وهذه الأفعال أيضًا تُحفظ ولا يُقاس عليها (3) .

ولكن لمَّا جاءت هذه الأفعال بهذه الازدواجيَّة في التَّعدِّي، توقَّف النُّحاة عندها؛ لتحديد أيّ الاثنين أصل للآخر؛ أهو تعدِّيها بالحرف، أم تعدِّيها بنفسها؟ وانقسموا في ذلك إلى ثلاثة فِرق:

الفريق الأوَّل؛ ويرى أنِّه: بما أنَّها تتعدَّى تارةً بنفسها، وأخرى بحرف الجرِّ، فعليه لا يكون أحدهما أصلاً للآخر (4) .

والفريق الثَّاني يرى: أنَّ الأصل في هذه الأفعال التعدِّي بحرف الجرِّ، ثم توسَّعت العرب بحذفه (5) ؛ وعلى رأيهم يكون الأصل في نحو: نصحت زيداً، نصحت لزيدٍ، ثم حُذِف منه حرفُ الجرِّ في الاستعمال، وكثُر فيه الأصل والفرع.

أمَّا الفريق الثَّالث فيرى: أنَّ هذه الأفعال من باب ما يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما بنفسه، والآخر بحرف الجرِّ؛ كالفعل (اختار، وأمر، واستغفر ... ) وأخواتها، وأنَّ الأصل في نحو: نصحت زيداً، نصحت لزيدٍ رأيَه؛ أُخذ من: نصح الخائطُ الثوبَ، إذا أصلحه، وضمَّ بعضه إلى بعض (1) ، فاستُعير في الرَّأي؛ وقيل: نصحت له رأيَه؛ أي أخلصته وأصلحته له، ثم حُذف المفعول الثَّاني، وأُسقط حرفُ الجرِّ من المفعول الأوَّل؛ لتضمُّن (نصح) معنى: (أرشد) ، وكذلك (شكر) فإنَّ الأصل فيه على رأي هؤلاء: شكرت لزيدٍ إحسانَه، فحُذف المفعولُ الثَّاني، وقيل: شكرت لزيدٍ، ثم حُذف حرفُ الجرِّ، لتضمُّن (شكر) معنى: (حمِد) أو (مدح) (2) .

ولاشكَّ في أنَّ الَّرأي الأوَّل هو الَّرأي الرَّاجح؛ لكثرة استعمال الوجهين، ولبعده عن تكلُّف تقدير الحذف، وبعده عن التَّضمين الَّذي هو ليس بقياس (3) ، وأحسبه هو الرَّأي الَّذي أخذ به ابن سِيْدَه؛ لأنَّه عدَّهما لغتين.

من باب التَّنازع

مسألة:قضيَّة التَّنازع

وقضيَّته تتلخَّص في أن يتنازع عاملان على معمولٍ واحد (4) ، وقد يختلف مطلبُهما، وقد يتفق، وقد وردت صورتاهما في شعر المتنبِّي؛ فأمَّا الصُّورة الأولى؛ وهي عندما يختلف مطلبُ العاملين، فقد جاءت في قول المتنبِّي:

ألَمْ يَسألِ الوبْلُ الَّذي رَامَ ثَنْيَنَا فَيُخْبِرَهُ عَنْكَ الحَدِيدُ المُثَلَّمُ (5)

فالفعلان (يسأل، ويخبر) يتنازعان كلمة (الحديد) ؛ فكلُّ واحدٍ منهما يطلبه معمولاً له، ولكن يختلف طلبُ كلِّ واحدٍ منهما له؛ فالفعل (يسأل) يطلبه مفعولاً به، والفعل (يخبر) يطلبه فاعلاً، ويرى ابن سِيْدَه موافقًا مذهب البصريين في المسألة أنَّ العمل للثَّاني؛ أي للفعل (يخبر) ، بدليل مجيء كلمة (الحديدُ) بالرَّفع، ويقول: " وهذا كقولك ضربتُ وضربني زيدٌ، أي: ضربتُ زيدًا وضربني زيدٌ، فحذف الأوَّل؛ لدلالة الثَّاني عليه " (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٣٨٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٣٨٠٨