وقد لا تلحقه؛ كقوله عزَّ مَن قائل:
(فَقَدْ جَاءَكُم بيِّنةٌ مِنْ ربِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَة ( [الأنعام 157]
المسألة الثَّالثة: جرُّ الفاعل ب (الباء) الزَّائدة
وقد ذكر هذا الحكم للفاعل عندما فرَّق (3) بين (الباء) الدَّاخلة على لفظ الجلالة في قول الله عزَّ وجلَّ:
(كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا ( [النِّساء 79]
و (الباء) الدَّاخلة على الضَّمير المتصل (الكاف) في قول المتنبِّي:
كَفَى بِكَ دَاءً أنْ تَرَى المَوتَ شَافِيا وحَسْبُ المَنايَا أنْ يَكُنَّ أمَانِيَا (4)
فقد نصَّ على أنَّ مدخولها في الموضعين مختلف؛ حيث إنَّها في الآية الكريمة قد دخلت على الفاعل، بينما هي في البيت داخلةٌ على المفعول به؛ لأنَّ التَّقدير: كفاك داءً، وهو بهذه الموازنة ينبِّه إلى شيءٍ مهم في الفعل (كفى) ؛ وهو أنَّه ليس بالضَّرورة أن يكون كلُّ مجرورٍ ب (الباء) بعده فاعلاً كما هو المشهور (5) وإنَّما قد يكون داخلاً على المفعول.
من باب تعدِّي الفعل ولزومه
المسألة الأولى: من مواضع وجوب تقدُّم المفعول به على فعله
وذلك إذا كان اسمَ استفهام؛ نحو (أيٍّ) في قول المتنبِّي:
وتَغْبِطُ الأرضُ منها حيثُ حَلَّ بِهِ وَتَحْسُدُ الخَيْلُ منها أيَّها رَكِبَا (6)
فقد عدَّ (أيًّا) اسم استفهام منصوبًا (1) ، وقال: " (أيَّها) منصوب ب (ركب) ولا يكون ب (تحسدُ) ؛ لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلاَّ أن يكون حرفَ جرٍّ " (2) ، ووجوب تقدُّم المفعول به على فعله إذا كان اسمَ استفهام قد صرَّح به جماعةٌ من النُّحاة (3) ؛ لأنَّهم قد أجمعوا على أنَّ أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها (4) إلاَّ أن يكون حرفَ جرٍّ.
المسألة الثَّانية: تعدية الفعل الَّذي ينصب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبرًا إلى أحد مفعوليه بحرف جرٍّ جائز الحذف
وقد أشار إلى ذلك أثناء شرحه لقول المتنبِّي:
قَدِ اخْتَرتُكَ الأملاكَ فاخْترْ لَهُمْ بِنَا حَدِيثًا وقَد حَكَّمْتُ رَأَيَكَ فاحْكُمِ (5)
فقد بادر بقوله: " أي: من الأملاكِ، فحذف وأوصل الفعل " (6) ،وإنَّما قال هذا لأنَّ الفعل (اختار) هو واحدٌ من تلك الأفعال الَّتي سُمع فيها تعدِّيها إلى أحد مفعوليها بحرف جرٍّ جائز الحذف؛ وهي: اختار، وأمر، واستغفر، ودعا بمعنى سمَّى، وكنَّى، وصدق، وزوَّج، وحدَّث، ونبَّأ، وأنبأ، وخبَّر، وأخبر، وعلى الرَّغم من كثرتها إلاَّ أنَّ رأي الجمهور فيها أنَّها تُحفظ ولا يُقاس عليها (7) ، وابن سِيْدَه لم يُخالف رأيَ الجمهور؛ وإنَّما عقَّب في نهاية المسألة بقوله: " ومثله [أي: اختار] كثير، إلاَّ أنَّه مسموعٌ لا يُقاس عليه " (8) ، وتعدية هذه الأفعال إلى أحد مفعوليها بحرف جرٍّ هي الأصل، والدَّليل على ذلك كثرته، و " ما كثُر في كلام العرب وفشا ينبغي ألاَّ يُدَّعى أنَّه ثانٍ " (9) ، ولكن سُمِع حذف حرف الجرِّ معها؛ كما في بيت المتنبِّي السَّابق، وكما في قول الله تعالى:
(وَاخْتَارَ مُوْسَى قَوْمَهُ سَبْعِيْنَ رَجُلاً لِمِيْقَاتِنَا ( [الأعراف 155]
حيث إنَّ العلماء (1) أجمعوا على أنَّ تقديرها: (مِن قومه) ؛ ف (قومَه) و (سبعين) مفعولان ل (اختار) ؛ الأوَّل منهما (سبعين) ، والثَّاني (قومَه) (2) ؛ أي: اختار موسى سبعين رجلاً من قومه، والله تعالى أعلم.
المسألة الثَّالثة: إسقاط حرف الجرِّ مع (أنْ)
وقد نصَّ على هذا أثناء شرحه لقول المتنبِّي:
وَأنَّكَ لا تَجُودُ على جَوَادٍ هِبَاتُكَ أنْ يُلقَّبَ بِالجَوادِ (3)
فقال: " (أنْ) ... نصب بإسقاط الحرف؛ أي: بأنْ يلقَّبَ “ (4) ، وحذف حرف الجرِّ مع (أنْ) النَّاصبة للفعل المضارع من المواضع المقيسة عند النُّحاة (5) ؛ ومنه قول الله تعالى:
(إنَّمَا يَأمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُوْن ( [البقرة 169]